فصل: تفسير الآيات رقم (7- 13)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


سورة القيامة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏(‏1‏)‏ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ‏(‏2‏)‏ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ‏(‏3‏)‏ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ‏(‏4‏)‏ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ‏(‏5‏)‏ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ‏(‏6‏)‏ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ‏(‏7‏)‏ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ‏(‏8‏)‏ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ‏(‏9‏)‏ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ‏(‏10‏)‏ كَلَّا لَا وَزَرَ ‏(‏11‏)‏ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ‏(‏12‏)‏ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ‏(‏13‏)‏ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قرأ جمهور السبعة‏:‏ «لا أقسم بيوم القيامة‏.‏ ولا أقسم بالنفس اللوامة» وقرأ ابن كثير والحسن بخلاف عنه والأعرج «لأقسم بيوم القيامة ولأقسم بالنفس»، فأما القراءة الأولى فاختلف في تأويلها فقال ابن جبير‏:‏ «لا» استفتاح كلام بمنزلة ألا وأنشدوا على ذلك ‏[‏المتقارب‏]‏

فلا وأبيك ابنة العامري *** لا يعلم القوم أني أفر

وقال أبو علي الفارسي‏:‏ «لا» صلة زائدة كما زيدت في قوله ‏{‏لئلا يعلم أهل الكتاب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 29‏]‏ ويعترض هذا بأن هذه في ابتداء كلام‏.‏ ولا تزاد «لا» وما نحوها من الحروف إلا في تضاعيف كلام‏.‏ فينفصل عن هذا بأن القرآن كله كالسورة الواحدة وهو في معنى الاتصال فجاز فيه هذا، وقال الفراء‏:‏ «لا» نفي لكلام الكفار وزجر لهم ورد عليهم، ثم استأنف على هذه الأقوال الثلاثة قوله‏:‏ ‏{‏أقسم‏}‏، ويوم القيامة أقسم الله به تنبيهاً منه لعظمه وهوله‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ «ولا أقسم بالنفس اللوامة» القول في «لا» على نحو ما تقدم، وأما القراءة الثانية فتحتمل أمرين، إما أن تكون اللام دخلت على فعل الحال، التقدير لأنا أقسم فلا تلحق لأن النون نون التوكيد إنما تدخل في الأكثر لتفرق بين فعل الحال والفعل المستقبل فهي تلزم المستقبل في الأكثر، وإما أن يكون الفعل خالصاً للاستقبال فكأن الوجه والأكثر أن تلحق النون إما الخفيفة وإما الثقيلة، لكن قد ذكر سيبويه أن النون قد تسقط مع إرادة الاستقبال وتغني اللام عنها كما تسقط اللام وتغني النون عنها وذلك في قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

وقتيل مرة أثأرن فإنه *** فرغ وإن قتيلهم لم يثأر

المراد لأثارن، وأما قوله «ولا أقسم بالنفس اللوامة» فقيل «لا» نافية، وإن الله تعالى أقسم بيوم القيامة، ونفى أن يقسم بالنفس اللوامة نص عليه الحسن، وقد ذهب هذا المذهب قوم ممن قرأ «لا أقسم ولأقسم»، وذلك قلق وهو في القراءة الثانية أمكن وجمهور المتأولين على أن الله تعالى أقسم بالأمرين، واختلف الناس في ‏{‏النفس اللوامة‏}‏ ما معناه، فقال الحسن هي ‏{‏اللوامة‏}‏ لصاحبها في ترك الطاعة ونحوه، فهي على هذا ممدوحة، ولذلك أقسم الله تعالى بها، وقال ابن عباس‏:‏ هي الفاجرة الجشعة ‏{‏اللوامة‏}‏ لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها فهي على هذا ذميمة وعلى هذا التأويل يحسن نفي القسم بها والنفس في الآية اسم جنس لنفوس البشر، وقال ابن جبير ما معناه‏:‏ إن القسم بها هي اسم الجنس لأنها تلوم على الخير وعلى الشر، وقيل المراد نفس آدم لأنها لم تزل اللائمة له على فعله الذي أخرجه من الجنة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وكل نفس متوسطة ليست بالمطمئنة ولا بالأمارة بالسوء، فإنها لوامة في الطرفين مرة تلوم على ترك الطاعة، ومرة تلوم على فوت ما تشتهي، فإذا اطمأنت خلصت وصفت، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيحسب الإنسان‏}‏ تقرير وتوبيخ، و‏{‏الإنسان‏}‏ اسم جنس وهذه أقوال كانت لكفار قريش فعليها هو الرد، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «نجمع عظامَه» بالنون ونصب الميم من العظام، وقرأ قتادة «أن لن يجمع عظامُه» بالياء ورفع الميم من العظام، ومعنى ذلك في القيامة وبعد البعث من القبور، وقرأ أبو عمرو بإدغام العين ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏بلى‏}‏ وهي إيجاب ما نفي، وبابها أن تأتي بعد النفي والمعنى بل يجمعها ‏{‏قادرين‏}‏ بنصب ‏{‏قادرين‏}‏ على الحال‏.‏ وقرأ ابن أبي عبلة «قادرون» بالرفع، وقال القتبي‏:‏ ‏{‏نسوي بنانه‏}‏ معناه نتقنها سوية، والبنان‏:‏ الأصابع، فكأن الكفار لما استبعدوا جمع العظام بعد الفناء والإرمام، قيل لهم إنما تجمع ويسوى أكثرها تفرقاً أجزاء وهي عظام الأنامل ومفاصلها، وهذا كله عند البعث، وقال ابن عباس وجمهور المفسرين‏:‏ ‏{‏نسوي بنانه‏}‏ معناه نجعلها في حياته هذه بضعة أو عظماً واحداً كخف البعير لا تفاريق فيه، فكأن المعنى قادرين لأن في الدنيا على أن نجعلها دون تفرق، فتقل منفعته بيده، فكأن التقدير ‏{‏بلى‏}‏ نحن أهل أن نجمعها ‏{‏قادرين‏}‏ على إزالة منفعة بيده، ففي هذا توعد ما، والقول الأول أحرى مع رصف الكلام، ولكن على هذا القول جمهور العلماء، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل يريد الإنسان ليفجر أمامه‏}‏ قال بعض المتأولين‏:‏ الضمير في ‏{‏أمامه‏}‏ عائد على ‏{‏الإنسان‏}‏، ومعنى الآية أن الأنسان إنما يريد شهواته ومعاصيه ليمضي فيها أبداً قدماً راكب رأسه ومطيع أمله ومسوفاً بتوبته، قاله مجاهد والحسن وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي‏.‏ وقال السدي‏:‏ المعنى ليظلم على قدر طاقته، وقال الضحاك المعنى يركب رأسه في طلب الدنيا دائماً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليفجر أمامه‏}‏ تقديره لكن يفجر، وقال ابن عباس ما يقتضي أن الضمير في ‏{‏أمامه‏}‏ عائد على ‏{‏يوم القيامة‏}‏، والمعنى أن الإنسان هو في زمن وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه فهو يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه، ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليفجر‏}‏ قول قيس بن سعد ‏(‏أردت لكيما يعرف الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود‏)‏‏.‏

و ‏{‏بل‏}‏ في أول الآية هي إضراب على معنى الترك لا على معنى إبطال الكلام الأول، وقد تجيء بل لإبطال القول الذي قبلها، وسؤال الكافر ‏{‏أيان يوم القيامة‏}‏ هو على معنى التكذيب والهزء كما تقول لمحدث بأمر تكذبه متى يكون هذا‏؟‏ و‏{‏أيان‏}‏ لفظة بمعنى متى، وهي مبينة لتضمنها معنى الاستفهام فأشبهت الحروف المتضمنة للمعاني‏.‏

وكان حقها أن تبنى على السكون، لكن فتحت النون لالتقاء الساكنين الألف وهي وقرأ أبو عمرو والحسن ومجاهد وقتادة والجحدري وعاصم والأعمش وأبو جعفر وشيبة «بِرق البصر» بكسر الراء بمعنى شخص وشق وحار‏.‏ وقرأ نافع وعاصم بخلاف، وعبد الله بن أبي إسحاق وزيد بن ثابت ونصر بن عاصم «بَرق» بفتح الراء، بمعنى لمع وصار له بريق وحار عند الموت، والمعنى متقارب في القراءتين، وقال أبو عبيدة «برَق» بالفتح شق، وقال مجاهد هذا عند الموت، وقال الحسن هذا في يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «وخسف القمرُ» على أنه فاعل، وقرأ أبو حيوة «خُسِف» بضم الخاء وكسر السين و«القمرُ» مفعول لما يسم فاعله‏.‏ يقال خسف القمر وخسفه الله، وكذلك الشمس، وقال أبو عبيدة وجماعة من اللغويين الخسوف والكسوف بمعنى واحد، قال ابن أبي أويس‏:‏ الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف ذهاب جميعه، وروي عن عروة وسفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا تقولوا كسفت الشمس ولكن قولوا خسفت» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجمع الشمس والقمر‏}‏ غلب عليه التذكير على التأنيث وقيل ذلك لأن تأنيث الشمس غير حقيقي، وقيل المراد بين الشمس والقمر، وكذلك قرأ ابن أبي عبلة‏.‏ واختلف المتأولون في معنى الجمع بينهما فقال عطاء بن يسار‏:‏ يجمعان فيقذفان في النار، وقيل في البحر، فتصير نار الله العظمى، وقيل يجمع الضواءن فيذهب بهما، وقرأ جمهور الناس «أين المَفر» بفتح الميم والفاء على المصدر أي أين الفرار، وقرأ ابن عباس والحسن وعكرمة وأيوب السخيتاني وكلثوم بن عياض ومجاهد ويحيى بن يعمر وحماد بن سلمة وأبو رجاء وعيسى وابن أبي إسحاق، «أين المَفِر» بفتح الميم وكسر الفاء عل معنى أين موضع الفرار، وقرأ الزهري‏:‏ «أين المِفَر» بكسر الميم وفتح الفاء بمعنى أين الجيد من الفرار، و‏{‏كلا‏}‏ زجر يقال للإنسان يومئذ ثم يعلن أنه ‏{‏لا وزر‏}‏ له أي ملجأ، وعبر المفسرون عن الوزر بالحبل، قال مطرف بن الشخير وغيره، وهو كان وزر فرار العرب في بلادهم، فلذلك استعمل، والحقيقة أنه الملجأ كان جبلاً أو حصناً أو سلاحاً أو رجلاً أو غيره، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى ربك يومئذ المستقر‏}‏ معناه إلى حكم ربك أو نحوه من التقدير و‏{‏المستقر‏}‏ رفع بالابتداء وخبره في المقدر الذي يتعلق به المجرور المتقدم، تقدير الكلام المستقر ثابت أو كائن إلى ربك يومئذ، و‏{‏المستقر‏}‏‏:‏ موضع الاستقرار، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما قدم وآخر‏}‏ قسمة تستوي في كل عمل، أي يعلم بكل ما فعل ويجده محصلاً، قال ابن عباس وابن مسعود المعنى ‏{‏بما قدم‏}‏ في حياته ‏{‏وأخر‏}‏ من سنة يعمل بها بعده، وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ ‏{‏بما قدم‏}‏ من المعاصي ‏{‏وأخر‏}‏ من الطاعات، وقال زيد بن أسلم‏:‏ ‏{‏بما قدم‏}‏ لنفسه من ماله وبما أخر منه للوارث، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بل الإنسان‏}‏ إضراب بمعنى الترك لا على معنى إبطال القول الأول، و‏{‏بصيرة‏}‏ يحتمل أن يكون خبراً عن الإنسان ولحقته هاء التأنيث كما لحقت علامة ونسابة، والمعنى فيه وفي عقله وفطرته حجة وطليعة وشاهد مبصر على نفسه، والهاء للتأنيث، ويراد ب «البصيرة» جوارحه أو الملائكة الحفظة وهذا تأويل ابن عباس، و«المعاذير» هنا قال الجمهور‏:‏ هي الأعذار جمع معذرة، وقال السدي والضحاك‏:‏ هي الستور بلغة اليمن يقولون للستر المعذار، وقال الحسن‏:‏ المعنى ‏{‏بل الإنسان على نفسه‏}‏ بلية ومحنة، كأنه ذهب إلى البصيرة التي هي طريقة الدم وداعية طلب الثأر وفي هذا نظر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 30‏]‏

‏{‏لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ‏(‏16‏)‏ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ‏(‏17‏)‏ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ‏(‏18‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏(‏19‏)‏ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ‏(‏20‏)‏ وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ ‏(‏21‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ‏(‏22‏)‏ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ‏(‏23‏)‏ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ‏(‏24‏)‏ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ‏(‏25‏)‏ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ‏(‏26‏)‏ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ‏(‏27‏)‏ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ‏(‏28‏)‏ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ‏(‏29‏)‏ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ‏(‏30‏)‏‏}‏

الضمير في ‏{‏به‏}‏ عائد على كتاب الله تعالى ولم يجر له ذكر، ولكن القرائن تبينه، فهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏توارت بالحجاب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 32‏]‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا إذا بلغت التراقي‏}‏ يعني النفس، واختلف المتأولون في السبب الموجب أن يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فقال الشعبي‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى ربما أراد النطق ببعض ما أوحي إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر أن لا يعجل بالقرآن من قبل أن يفضى إليه وحيه‏.‏ وجاءت هذه الآية في هذا المعنى‏.‏ وقال الضحاك‏.‏ كان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخاف أن ينسى القرآن فكان يدرسه حتى غلب ذلك عليه وشق، فنزلت الآية في ذلك، وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري عن ابن عباس‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه، فنزلت الآية بسبب ذلك وأعمله الله تعالى أنه يجمعه له في صدره، ‏{‏وقرآنه‏}‏ يحتمل أن يريد به وقراءته أي تقرأه أنت يا محمد، والقرآن مصدر كالقراءة ومنه قول الشاعر ‏[‏حسان بن ثابت‏]‏ في عثمان رضي الله عنه وأرضاه‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

ضحوا بأشمط عنوان السجود به *** يقطّع الليل تسبيحاً وقرآنا

ويحتمل أن يريد ‏{‏إن علينا جمعه‏}‏ وتأليفه في صدر صدرك فهو مصدر من قولك قرأت أي جمعت، ومنه قولهم في المرأة التي لم تلد ما قرأت سلا قط، ومنه قول الشاعر ‏[‏عمرو بن كلثوم‏]‏‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

ذراعي عيطل أدماء بكر *** هجان اللون لم تقرأ جنينا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قرأناه فاتبع قرآنه‏}‏ أي قراءة الملك الرسول عنا‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتبع‏}‏ يحتمل أن يريد بذهنك وفكرك، أي فاستمع قراءته وقاله ابن عباس، ويحتمل أن يريد ‏{‏فاتبع‏}‏ في الأوامر والنواهي، قاله ابن عباس أيضاً وقتادة والضحاك وقرأ أبو العالية‏:‏ «قرته»، «فإذا قَرَته فاتبع قَرتَه» بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف في الثالثة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثم إن علينا بيانه‏}‏، قال قتادة وجماعة معه‏:‏ معناه أن نبينه لك ونحفظكه، وقال كثير من المتأولين معناه أن تبينه أنت، وقال قتادة أيضاً وغيره معناه أن نبين حلاله وحرامه ومجمله ومفسره، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا بل تحبون العاجلة‏}‏ رجوع إلى مخاطبة قريش، فرد عليهم وعلى أقوالهم في رد الشريعة بقوله‏:‏ ‏{‏كلا‏}‏ ليس ذلك كما تقولون‏.‏ وإنما أنتم قوم قد غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبونها حباً تتركون معه الآخرة والنظر في امرها‏.‏

وقرأ الجمهور «تحبون» بالتاء على المخاطبة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد والجحدري وقتادة «يحبون» بالياء على ذكر الغائب وكذلك «يذرون» ولما ذكر الآخرة أخبر بشيء من حال أهلها بقوله‏:‏ ‏{‏وجوه‏}‏ رفع بالابتداء وابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بقوله ‏{‏يومئذ‏}‏ و‏{‏ناضرة‏}‏ خبر ‏{‏وجوه‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى ربها ناظرة‏}‏ جملة هي في موضع خبر بعد خبر، وقال بعض النحويين‏:‏ ‏{‏ناضرة‏}‏ نعت ل ‏{‏وجوه‏}‏، و‏{‏إلى ربها ناظرة‏}‏ خبر عن ‏{‏وجوه‏}‏، فعلى هذا كثر تخصص الوجوه فحسن الابتداء بها‏.‏ و‏{‏ناضرة‏}‏ معناه ناعمة، والنضرة النعمة وجمال البشرة، قال الحسن‏:‏ وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى ربها ناظرة‏}‏ حمل هذه الآية أهل السنة على أنها متضمنة رؤية المؤمنين لله تعالى، وهي رؤية دون محاذاة ولا تكييف ولا تحديد كما هو معلوم، موجود لا يشبه الموجودات كذلك هو لا يشبه المرئيات في شيء، فإنه ليس كمثله شيء لا إله إلا هو، وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «حدثتكم عن الدجال أنه إعور وأن ربكم ليس بأعور وأنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا»، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»، وقال الحسن‏:‏ تنظرون إلى الله تعالى بلا إحاطة، وأما المعتزلة الذين ينفون رؤية الله تعالى، فذهبوا في هذه الآية إلى أن المعنى إلى رحمة ربها ناظرة أو إلى ثوابه أو ملكه، فقدروا مضافاً محذوفاً، وهذا وجه سائغ في العربية كما تقول، فلا ناظر إليك في كذا، أي إلى صنعك في كذا، والرواية إنما تثبتها بأدلة قاطعة غير هذه الآية، فإذا ثبتت حسن تأويل أهل السنة في هذه الآية وقوي، وذهب بعض المعتزلة في هذه الآية إلى أن قوله ‏{‏إلى‏}‏ ليست بحرف الجر وإنما هي إلى واحد الآلاء فكأنه قال نعمة ربها منتظرة، أو ‏{‏ناظرة‏}‏ من النظر بالعين، ويقال نظرتك بمعنى انتظرتك، ومنه قول الحطيئة‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

وقد نظرتكم أبناء عائشة *** للخمس طال بها حبسي وتبساسي

والتبساس أن يقال للناقة بس بس لتدر على الحالب، وفسر أبو عبيدة في غريبه هذا البيت على رواية أخرى وهي‏:‏ طال بها حوزي وتنساسي بالنون وهو السير الشديد فتأمله، و«الباسرة» العابسة المغمومة النفوس‏.‏ والبسور أشد العبوس، وإنما ذكر تعالى الوجوه لأنه فيها يظهر ما في النفس من سرور أو غم، والمراد أصحاب الوجوه، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تظن أن يفعل‏}‏ إن جعلناه بمعنى توقن فهو لم يقع بعد على ما بيناه وأن جعلنا الظن هنا على غلبته، فذلك محتمل، و«الفاقرة»‏:‏ المصيبة التي تكسر فقار الإنسان، قال ابن المسيب‏:‏ هي قاصمة الظهر، وقال أبو عبيدة‏:‏ هي من فقرت البعير إذا وسمت أنفه بالنار، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا إذا بلغت‏}‏ زجر آخر لقريش وتذكير لهم بموطن من مواطن الهول وأمر الله تعالى الذي لا محيد لبشر عنه وهي حالة الموت والمنازعة التي كتبها الله على كل حيوان، و‏{‏بلغت‏}‏ يريد النفس، و‏{‏التراقي‏}‏ ترقوة وهي عظام أعلى الصدر، ولكل أحد ترقوتان، لكن من حيث هذا الأمر في كثير من جمع، إذ النفس المرادة اسم جنس، و‏{‏التراقي‏}‏ هي موازية للحلاقيم، فالأمر كله كناية عن حال الحشرجة ونزاع الموت، يسره الله علينا بمة، واختلف الناس في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من راق‏}‏ فقال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو قلابة‏:‏ معناه من يرقى ويطب ويشفى ونحو هذا مما يتمناه أهل المريض، وقال ابن عباس أيضاً وسليمان التيمي ومقاتل وابن سليمان‏:‏ هذا القول للملائكة‏:‏ والمعنى من يرقى بروحه، أي يصعد إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب‏؟‏ وقرأ حفص عن عاصم بالوقف على ‏{‏من‏}‏ ويبتدئ ‏{‏راق‏}‏ وأدغم الجمهور، قال أبو علي‏:‏ لا أعرف وجه قراءة عاصم، وكذلك قرأ «بل ران» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وظن أنه الفراق‏}‏ يريد وتيقن المريض أنه فراق الأحبة والأهل والمال والحياة، وهذا يقين فيما لم يقع بعد ولذلك استعملت فيه لفظة الظن، وقرأ ابن عباس «أيقن أنه الفراق»، وقال في تفسيره ذهب الظن واختلف في معنى قوله ‏{‏والتفت الساق بالساق‏}‏، فقال ابن عباس والحسن والربيع بن أنس وإسماعيل بن أبي خالد هذه استعارة لشدة كرب الدنيا في آخر يوم منها وشدة كرب الآخرة في أول يوم منها لأنه بين الحالين قد أختلطا له، وهذا كما تقول شمرت الحرب عن ساق، وعلى بعض التأويلات في قوله تعالى‏:‏

‏{‏يوم يكشف عن ساق‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 42‏]‏ وقال ابن المسيب والحسن‏:‏ هي حقيقة، والمراد ساق الميت عند تكفينه أي لفهما الكفن، وقال الشعبي وأبو مالك وقتادة‏:‏ هو التفافهما بشدة المرض لأنه يقبض ويبسط ويركب هذا على هذا، وقال الضحاك‏:‏ المراد أسوق حاضريه من الإنس والملائكة لأن هؤلاء يجهزون روحه إلى السماء وهؤلاء بدنه إلى قبره، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى ربك‏}‏ معناه إلى حكم ربك وعدله، فإما إلى جنة وإما إلى نار، و‏{‏المساق‏}‏ مصدر من السوق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏31- 40‏]‏

‏{‏فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ‏(‏31‏)‏ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏32‏)‏ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ‏(‏33‏)‏ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ‏(‏34‏)‏ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ‏(‏35‏)‏ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ‏(‏36‏)‏ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ‏(‏37‏)‏ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ‏(‏38‏)‏ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏39‏)‏ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ‏(‏40‏)‏‏}‏

قال جمهور المتأولين‏:‏ هذه الآية كلها إنما نزلت في أبي جهل بن هشام‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ثم كادت هذه الآية أن تصرح له في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يتمطى‏}‏ فإنها كانت مشية بني مخزوم، وكان أبو جهل يكثر منها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا صدق ولا صلى‏}‏ تقديره فلم يصدق ولم يصل، وهذا نحو قول الشاعر ‏[‏طرفة بن العبد‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

فأي خميس فإنا لا نهابه *** وأسيافنا يقطرن من كبشه دما

وقول الآخر ‏[‏أبي خيراش الهذلي‏]‏‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

إن تغفر اللهم تغفر جمّا *** وأي عبد لك لا ألمَّا

‏{‏فلا‏}‏ في الآية عاطفة، و‏{‏صدق‏}‏ معناه برسالة الله ودينه، وذهب قوم إلى أنه من الصدقة، والأول أصوب، و‏{‏يتمطى‏}‏ معناه يمشي المطيطى وهي مشية بتبختر قال زيد بن أسلم‏:‏ كانت مشية بني مخزوم، وهي مأخوذة من المطا وهو الظهر لأنه يتثنى فيها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا مشت أمتي المطيطى وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض» وقال مجاهد‏:‏ نزلت هذه الآية في أبي جهل‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولى لك‏}‏ وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيداً، والمعنى ‏{‏أولى لك‏}‏ الازدجار والانتهاء وهو مأخوذ من ولى، والعرب تستعمل هذه الكلمة زجراً، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأولى لهم طاعة‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 20‏]‏، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبب أبا جهل يوماً في البطحاء وقال له‏:‏ «إن الله يقول لك ‏{‏أولى لك فأولى‏}‏»، فنزل القرآن على نحوها‏.‏ وفي شعر الخنساء‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

سئمت بنفسي كل الهموم *** فأولى لنفسي أولى لها

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أيحسب‏}‏ توقيف وتوبيخ، و‏{‏سدى‏}‏ معناه مهملاً لا يؤمر ولا ينهى، ثم قرر تعالى على أحوال ابن آدم في بدايته التي إذا تؤملت لم ينكر معها جواز البعث من القبور عاقل‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ «ألم يك» بالياء من تحت، وقرأ الحسن‏:‏ «ألم تك» بالتاء من فوق «و» النطفة «‏:‏ القطعة من الماء‏.‏ يقال ذلك للقليل والكثير، و» المني «معروف، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو عمرو بخلاف وابن محيصن والجحدري وسلام ويعقوب‏:‏» يمنى «بالياء، يراد بذلك المني، ويحتمل أن يكون يمنى من قولك أمنى الرجل، ويحتمل أن يكون من قولك منى الله الخلق، فكأنه قال‏:‏ من مني تخلق، وقرأ جمهور السبعة والناس‏.‏» تمنى «بالتاء، يراد بذلك النطفة، و» تمنى «يحتمل الوجهين اللذين ذكرت، و» العلقة «‏:‏ القطعة من الدم، لأن الدم هو العلق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فخلق فسوى‏}‏ معناه فخلق الله منه بشراً مركباً من أشياء مختلفة فسواه شخصاً مستقلاً، وفي مصحف ابن مسعود»‏:‏ يخلق «بالياء فعلاً مستقبلاً، و‏{‏الزوجين‏}‏ النوعين، ويحتمل أن يريد المزدوجين من البشر، ثم وقف تعالى توقيف التوبيخ وإقامة الحجة بقوله‏:‏ ‏{‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏}‏ وقرأ الجمهور بفتح الياء الأخيرة من» يحييَ «، وقرأ طلحة بن مصرف وسليمان والفياض بن غزوان بسكونها، هي تنحذف من اللفظ لسكون اللام من ‏{‏الموتى‏}‏، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال‏:‏» سبحانك اللهم وبحمدك وبلى «، ويروى أنه كان يقول‏:‏» بلى «فقط‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏القيامة‏}‏ والحمد لله رب العالمين‏.‏

سورة الإنسان

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ‏(‏1‏)‏ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ‏(‏2‏)‏ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ‏(‏3‏)‏ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ‏(‏4‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ‏(‏5‏)‏ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏هل‏}‏ في كلام العرب قد يجيء بمعنى «قد» حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من تقرير وبابها المشهور الاستفهام المحض والتقرير أحياناً‏.‏ فقال ابن عباس وقتادة هي هنا بمعنى «قد»، و‏{‏الإنسان‏}‏ يراد به آدم عليه السلام، و«الحين»‏:‏ هي المدة التي بقي طيناً قبل أن ينفخ فيه الروح؛ أي أنه شيء ولم يكن مذكوراً منوهاً به في العالم وفي حالة العدم المحض قبل ‏{‏لم يكن شيئاً‏}‏ ولا ‏{‏مذكوراً‏}‏، وقال أكثر المتأولين‏:‏ ‏{‏هل‏}‏ تقرير، و‏{‏الإنسان‏}‏ اسم الجنس، أي إذا تأمل كل إنسان نفسه علم بأنه قد مر ‏{‏حين من الدهر‏}‏ عظيم ‏{‏لم يكن‏}‏ هو فيه ‏{‏شيئاً مذكوراً‏}‏، أي لم يكن موجوداً، وقد يسمى الموجود ‏{‏شيئاً‏}‏ فهو مذكور بهذا الوجه، و«الحين» هنا‏:‏ المدة من الزمن غير محدودة تقع للقليل والكثير، وإنما تحتاج إلى تحديد الحين في الإيمان، فمن حلف أن لا يكلم أخاه حيناً، فذهب بعض الفقهاء إلى أن الحين سنة، وقال بعضهم‏:‏ ستة أشهر، والقوي في هذا أن ‏{‏الإنسان‏}‏ اسم جنس وأن الآية جعلت عبرة لكل أحد من الناس ليعلم أن الصانع له قادر على إعادته‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا خلقنا الإنسان‏}‏ هو هنا اسم الجنس بلا خلاف، لأن آدم لم يخلق ‏{‏من نطفة‏}‏، و‏{‏أمشاج‏}‏ معناه أخلاط وأحدها مَشَج بفتح الميم والشين قاله ابن السكيت وغيره، وقيل‏:‏ مشج مثل عدل وأعدال، وقيل‏:‏ مشيج مثل شريف وأشراف، واختلف في المقصود من الخلط، فقيل هو ‏{‏أمشاج‏}‏ ماء الرجل بماء المرأة، وأسند الطبري حديثاً وهو أيضاً في بعض المصنفات «إن عظام ابن آدم وعصبة من ماء الرجل، ولحمه وشحمه من ماء المرأة» وقيل هو اختلاط أمر الجنين بالنقلة من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى غير ذلك‏.‏ فهو أمر مختلط، وقيل هو اختلاط الدم والبلغم والصفراء والسوداء فيه، و‏{‏نبتليه‏}‏ معناه نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا هو حال من الضمير في ‏{‏خلقنا‏}‏ كأنه قال‏:‏ مختبرين له بذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجعلناه‏}‏ عطف جملة تعم على جملة تعم، وقال بعض النحويين إنما المعنى فنبتليه جعلناه ‏{‏سميعاً بصيراً‏}‏، ثم ترتب اللفظ موجزاً متداخلاً كأنه قال ‏{‏نبتليه‏}‏ فلذلك جعلناه، والابتلاء على هذا أنما هو بالإسماع والإبصار لا بالإيجاب وليس ‏{‏نبتليه‏}‏ حالاً، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا هديناه السبيل‏}‏ يحتمل أن يريد ‏{‏السبيل‏}‏ العامة للمؤمن والكافر فذلك يختلق الحواس وموهبة الفطرة ونصب الصنعة الدالة على الصانع، ف ‏{‏هديناه‏}‏ على هذا بمعنى أرشدناه كما يرشد الإنسان إلى الطريق ويوقف عليه، ويحتمل أن يريد ‏{‏السبيل‏}‏ اسم الجنس، أي هدى المؤمن إيمانه والكافر لكفره ف ‏{‏هديناه‏}‏ على هذا معناه أريناه وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إما شاكراً وإما كفوراً‏}‏ حالان وقسمتهما ‏{‏إما‏}‏ قاله أبو عمرو الداني، وقرأ أبو العاج «إما شاكراً وإما كفوراً» وأبو العاج كثير بن عبد الله السلمي شامي ولى البصرة لهشام بن عبد الملك، و‏{‏أعتدنا‏}‏ معناه أعددناه، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «سلاسلاً» بالصرف وهذا على ما حكاه الأخفش من لغة من يصرف كل ما يصرف إلا أفعل وهي لغة الشعراء‏.‏

ثم كثر حتى جرى في كلامهم، وقد علل بعبة وهي أنه لما كان هذا الضرب من الجموع يجمع لشبه الآحاد فصرف، وذلك من شبه الآحاد موجود في قولهم صواحب وصاحبات وفي قول الشاعر ‏[‏الفرزدق‏]‏‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

نواكسي الأبصار *** بالياء جمع نواكس، وهذا الأجراء في «سلاسلاً وقواريراً» أثبت في مصحف ابن مسعود ومصحف أبيّ بن كعب ومصحف المدينة ومكة والكوفة والبصرة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة «سلاسلَ»، على ترك الصرف في الوقف والوصل، وهي قراءة طلحة وعمرو بن عبيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة فيما روي عنهما‏:‏ «سلاسل» في الوصل و«سلاسلاً» دون تنوين في الوقف، ورواه هشام عن ابن عامر لأن العرب من يقول رأيت عمراً يقف بألف، وأيضاً فالوقوف، بالأف «سلاسلا» اتباع لخط المصحف، و‏{‏الأبرار‏}‏ جمع بار كشاهد وأشهاد، وقال الحسن هم الذين لا يؤذون الذر، ولا يرضون الشر، و«الكأس»‏:‏ ما فيه نبيذ ونحوه مما يشرب به، قال ابن كيسان‏:‏ ولا يقال الكأس إلا لما فيه نبيذ ونحوه، ولا يقال ظعينة إلا إذا كان عليها امرأة ولا مائدة إلا وعليها طعام وإلا فهي خوان‏.‏ والمزاج‏:‏ ما يمزج به الخمر ونحوها، وهي أيضاً مزاج له لأنهما تمازجاً مزاجاً، قال بعض الناس‏:‏ «المزاج» نفس الكافور، وقال قتادة نعم قوم يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال الفراء‏:‏ يقال إنه في الجنة عين تسمى ‏{‏كافوراً‏}‏ وقال بعض المتأولين إنما أراد ‏{‏كافوراً‏}‏ في النكهة والعرف كما تقول إذا مزجت طعاماً هذا الطعام مسك‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عيناً‏}‏ هو بدل من قوله ‏{‏كافوراً‏}‏، وقيل هو مفعول بقوله ‏{‏يشربون‏}‏، أي ‏{‏يشربون‏}‏ ماء هذه العين من كأس عطرة كالكافور، وقيل نصب ‏{‏عيناً‏}‏ على المدح أو بإضمار أعني، وقوله ‏{‏يشرب بها‏}‏ بمنزلة يشربها فالباء زائدة، وقال الهذلي‏:‏ شربن بماء البحر‏.‏ أي شربن ماء البحر، وقرأ ابن أبي عبلة‏:‏ «يشربها عباد الله»، و‏{‏عباد الله‏}‏ هنا خصوص في المؤمنين الناعمين لأن جميع الخلق عباده، و‏{‏يفجرونها‏}‏ معناه يبثقونها بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا، فهي تجري عند كل أحد منهم، هكذا ورد الأثر، وقال الثعلبي، وقيل هي عين في دار النبي صلى الله عليه وسلم تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين، وهذا قول الحسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 13‏]‏

‏{‏يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ‏(‏7‏)‏ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ‏(‏8‏)‏ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ‏(‏9‏)‏ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ‏(‏10‏)‏ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ‏(‏11‏)‏ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ‏(‏12‏)‏ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ‏(‏13‏)‏‏}‏

وصف الله تعالى حال الأبرار أنهم كانوا ‏{‏يوفون بالنذر‏}‏، أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهداً، يقال وفى الرجل وأوفى، و«اليوم» المشار إليه يوم القيامة، و‏{‏مستطيراً‏}‏ معناه متصلاً شائعاً كاستطارة الفجر والصدع في الزجاجة، وبه شبه في القلب، ومن ذلك قول الأعشى‏:‏ ‏[‏المتقارب‏]‏

فبانت وقد أسأرت في الفؤاد *** صدعاً على نأيها مستطيرا

وقول ذي الرمة‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

أراد الظاعنون لحيزنوني *** فهاجوا صدع قلبي فاستطاروا

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على حبه‏}‏ يحتمل أن يعود الضمير على الطعام، أي وهو محبوب للفاقة والحاجة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ويحتمل أن يعود على الله تعالى أي لوجهه وابتغاء مرضاته، قاله أبو سليمان الدراني‏.‏ والأول أمدح لهم لأن فيه الإيثار على النفس‏.‏ وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر، وقال الحسين بن الفضل‏:‏ الضمير عائد على الإطعام، أي محبين في فعلهم ذلك لا رياء فيه ولا تكلف، و«المسكين» الطواف المتكشف في السؤال، و«اليتيم» الصبي الذي لا أب له من الناس‏.‏ والذي لا أم له من البهائم وهي صفة قبل البلوغ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يتم بعد حلم» و«الأسير» معروف، فقال قتادة‏:‏ أراد أسرى الكفار وإن كانوا على غير الإسلام، وقال الحسن‏:‏ ما كان أسراهم إلا مشركين، لأن كل كبد رطبة ففيها أجر‏.‏ وقال بعض العلماء‏:‏ هذا إما نسخ بآية السيف وإما أنه محكم لتحفظ حياة الأسير إلى أن يرى الإمام فيه ما يرى، وقال مجاهد وابن جبير وعطاء‏:‏ أراد المسجونين من الناس، ولهذا يحض على صدقة السجن، فهذا تشبيه، ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول‏.‏ وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الأسير هنا بالمملوك والمسجون، وقال‏:‏ أراد أسرى المسلمين الذين تركوا في بلاد الحرب رهائن وخرجوا في طلب الفداء، وقال أبو حمزة الثمالي‏:‏ الأسير هنا المرأة، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوانٍ عندكم»، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما نطعمكم لوجه الله‏}‏ المعنى يقولون لهم عند الإطعام، وهذا إما أن يكون المطعم يقول ذلك نصاً فحكي ذلك‏.‏ وإما أن يكون لك مما يقال في الأنفس وبالنية فمدح بذلك، هذا هو تأويل ابن مجاهد وابن جبير، وقرأ أبو عمرو في رواية عباس بجزم الميم من «نطعمْكم»، قال أبو علي أسكن تخفيفاً، و«الشكور»‏:‏ مصدر الشكر، ووصف اليوم بعبوس هو على التجوز، كما تقول ليل نائم أي فيه نوم، و«القمطرير» والقماطر‏:‏ هو في معنى العبوس والارتداد، تقول اقمطر الرجل إذا جمع ما بين عينيه غضباً، ومنه قول الشاعر ‏[‏القرطبي‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

بني عمنا هل تذكرون بلاءنا *** عليكم إذا ما كان يوم قماطر

وقال آخرون‏:‏

ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها *** ولج بها اليوم العبوس القماطر

وقال ابن عباس‏:‏ يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه مثل القطران‏.‏ وعبر ابن عباس عن «القمطرير» بالطويل‏.‏ وعبر عنه ابن الكلبي بالشديد، وذلك كله قريب في المعنى‏.‏ وقرأ الجمهور «فوقَاهم» بتخفيف القاف‏.‏ وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «فوقّاهم» بشد القاف‏.‏ و«النضرة» جمال البشرة، وذلك لا يكون إلا مع فرح النفس وقرة العين، وقرأ علي بن أبي طالب «وجازاهم» بألف، وقوله ‏{‏بما صبروا‏}‏ عام عن الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، ففي هذا يدخل كل ما خص الناس من صوم وفقر ونحوه و‏{‏متكئين‏}‏ حال من الضمير المنصور في ‏{‏جزاهم‏}‏ وهو الهاء والميم، وقرأ أبو جعفر وشيبة «متكيين» بغير همز، و‏{‏الأرائك‏}‏ السرر المستورة بالحجال، هذا شرط لبعض اللغويين، وقال بعض اللغويين‏:‏ كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو فهو أريكة وإن لم يكن في حجلة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يرون فيها‏}‏ الآية عبارة عن اعتدال مس هوائها وذهاب ضرري الحر والقر عنها، وكون هوائها سجسجاً كما في الحديث المأثور ومس الشمس وهو أشد الحر، و«الزمهرير»‏:‏ هو أشد البرد، وقال ثعلب‏:‏ «الزمهرير» بلغة طّيئ القمر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 20‏]‏

‏{‏وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ‏(‏14‏)‏ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ ‏(‏15‏)‏ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ‏(‏16‏)‏ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا ‏(‏17‏)‏ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ‏(‏18‏)‏ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ‏(‏19‏)‏ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

اختلف النحويون في إعراب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ودانية‏}‏، فقال الزجاج وغيره‏:‏ هو حال عطفاً على ‏{‏متكئين‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 13‏]‏ وقال أيضاً‏:‏ ويجوز أن يكون صفة للجنة، فالمعنى وجزاهم جنة دانية، وقرأ جمهور الناس «دانية» وقرأ الأعمش «ودانياً عليهم» وقرأ أبو جعفر «ودانيةٌ» بالرفع وقرأ أبيّ بن كعب «ودانٍ» مفرد مرفوع في الإعراب، ودنوا الظلال بتوسط أنعم لها، لأن الشيء المظل إذا بعد فترة ظله لا سيما من الأشجار والتذليل أن تطيب الثمرة فتتدلى وتنعكس نحو الأرض، و«التذليل» في الجنة هو بحسب إرادة ساكنيها، قال قتادة ومجاهد وسفيان‏:‏ إن كان الإنسان قائماً تناول الثمر دون كلفة وإن كان قاعداً فكذلك، وإن كان مضطجعاً فكذلك‏.‏ فهذا تذليلها لا يرد عنها بعد ولا شوك‏.‏ ومن اللفظة قول امرئ القيس‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

كأنبوب السقي المذلل *** ومنه قول الأنصاري‏:‏ والنخل قد ذللت فهي مطوقة بثمرها‏.‏ و‏{‏القطوف‏}‏‏:‏ جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه‏.‏ والعنب ونحوه‏.‏ و‏{‏آنية‏}‏ جمع إناء‏.‏ و‏{‏الكوب‏}‏ ما لا عروة له ولا أذن من الأواني، وهي معروفة الشكل في تلك البلاد‏.‏ وهو الذي تقول له العامة القب، لكنها تسمي بذلك ما له عروة‏.‏ وذلك خطأ أيضاً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الكوب القدح‏.‏ والقوارير‏:‏ الزجاج‏.‏ واختلف القراء فقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «قواريراً قواريراً» بالإجراء فيهما على ما قد تقدم في قوله «سلاسلاً»، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «قراريرَ قراريرَ» بترك الإجراء فيهما، وقرأ ابن كثير «قواريراً» بالإجراء في الأول «قواريرَ» بترك الإجراء في الثاني، وقرأ أبو عمرو «قواريرا»، ووقف بألف دون تنوين «قواريرَ» بترك الإجراء في الثاني، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من فضة‏}‏ يقتضي أنها من زجاج ومن فضة وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه و‏{‏من فضة‏}‏ في جوهره، وكذلك فضة الجنة شفافة، وقال أبو علي جعلها ‏{‏من فضة‏}‏ لصافئها وملازمتها لتلك الصفة وليست من فضة في حقيقة أمرها‏.‏ وإنما هذا كما قال الشاعر ‏[‏البعيث‏]‏‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ألا أصبحت أسماء جاذمة الوصل *** وضنت عليها والضنين من البخل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قدروها‏}‏ يحتمل أن يكون الضمير للملائكة، ويحتمل أن يكون للطائفين، ويحتمل أن يكون للمنعمين، والتقدير إما أن يكون على قدر الأكف قاله الربيع، أو على قدر الري قاله مجاهد، وهذا كله على قراءة من قرأ «قَدروها» بتخفيف القاف، وقرأ ابن أبزى وعلي الجحدري وابن عباس والشعبي وقتادة «قُدِروها» بضم القاف وكسر الدال، قال أبو علي‏:‏ كأن اللفظ قدروا عليها، وفي المعنى قلب لأن حقيقة المعنى أن يقال‏:‏ قدرت عليهم فهي مثل قوله‏:‏

‏{‏ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 76‏]‏، ومثل قول العرب‏:‏ إذا طلعت الجوزاء، ألفى العود على الحرباء، حكاه أبو علي، وكون الزنجبيل مزاجها هو على ما ذكرناه في العرف ولذع اللسان، وذلك من لذات المشروب، و«الزنجبيل»‏:‏ طيب حار، وقال الشاعر ‏[‏الأعشى‏]‏‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

كأن جنياً من الزنجبيل *** بات بفيها وأرياً مشورا

وقال المسيب بن علس‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

وكأن طعم الزنجبيل به *** إذ ذقته وسلافة الخمر

وقال قتادة‏:‏ «الزنجبيل»، اسم لعين في الجنة يشرب منها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة، و‏{‏عيناً‏}‏ بدل من كأس أو من عين على القول الثاني، و‏{‏سلسبيلاً‏}‏ قيل هو اسم بمعنى السلس المنقاد الجرية، وقال مجاهد‏:‏ حديدة الجرية، وقيل‏:‏ هي عبارة عن حسن إيساغها، قال ابن الأعرابي‏:‏ لم أسمع هذه اللفظة إلا في القرآن، وقال آخرون‏:‏ ‏{‏سلسبيلاً‏}‏ صفة لقوله ‏{‏عيناً‏}‏ وتسمى بمعنى توصف وتشهر وكونه مصروفاً مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسماً، وقال بعض المقرئين والتصحيح من الألوسي‏:‏ ‏{‏سلسبيلاً‏}‏ أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسؤال السبيل إليها، وهذا قول ضعيف لأن براعة القرآن وفصاحته لا تجيء هكذا، واللفظة معروفة في اللسان وأن السلسل والسلسبيل، بمعنى واحد ومتقارب‏.‏ و‏{‏مخلدون‏}‏ قال جمهور الناس‏:‏ معناه باقون من الخلود، وجعلهم ولداناً لأنهم في هيئة الولدان في السن لا يتغيرون عن تلك الحال، وقال أبو عبيدة وغيره ‏{‏مخلدون‏}‏ معناه مقرطون، والخلدات حلي يعلق في الآذان، ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

ومخلدات باللجين كأنما *** أعجازهن أقاوب الكثبان‏.‏

وشهرة هذه اللغة في حمير، وشبههم ب «اللؤلؤ المنثور» في بياضهم وانتشارهم في المساكين يجيئون ويذهبون وفي جمالهم، ومنه سميت المرأة درة وجوهرة، ثم كرر ذكر الرؤية مبالغة، و‏{‏ثم‏}‏ ظرف والعامل فيه ‏{‏رأيت‏}‏ أو معناه‏؟‏ وقال الفراء التقدير‏:‏ ‏{‏رأيت‏}‏ ما ‏{‏ثم‏}‏ وحذفت ما، وقرأ حميد الأعرج «ثُم» بضم الثاء، و«النعيم»‏:‏ ما هم فيه من حسن عيش، و«الملك الكبير» قال سفيان‏:‏ هو استئذان الملائكة وتسليمهم عليهم وتعظيمهم لهم، فهم في ذلك كالملوك، وقال أكثر المفسرين‏:‏ «الملك الكبير» اتساع مواضعهم، فروي عن عبد الله بن عمر أنه قال‏:‏ ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف غلام كلهم مختلف شغله من شغل أصحابه، وأدنى أهل الجنة منزلة من ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 26‏]‏

‏{‏عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ‏(‏21‏)‏ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ‏(‏22‏)‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا ‏(‏23‏)‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا ‏(‏24‏)‏ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏25‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ‏(‏26‏)‏‏}‏

قرأ نافع وحمزة وأبان عن عاصم‏:‏ «عاليهم» على الرفع بالابتداء وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة وابن محيصن وابن عباس بخلاف عنه، وقرأ الباقون وعاصم «عاليَهم» بالنصب على الحال، والعامل فيه ‏{‏لقاهم‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 11‏]‏ أو ‏{‏جزاهم‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 12‏]‏، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن ومجاهد والجحدري وأهل مكة، وقرأ الأعمش وطلحة‏:‏ «عاليتهم»، وكذلك هي في مصحف عبد الله، وقرأ أيضاً الأعمش «عاليَتهم» بالنصب على الحال، وقد يجوز في النصب في القراءتين أن يكون على الظرف لأنه بمعنى فوقهم، وقرأت عائشة رضي الله عنها «علتهم» بتاء فعل ماض، وقرأ مجاهد وقتادة وابن سيرين وأبو حيوة «عليهم» و«السندس»‏:‏ رقيق الديباج والمرتفع منه، وقيل «السندس»‏:‏ الحرير الأخضر، و«الاستبرق» والدمقس هو الأبيض، والأرجوان هو الأحمر، وقرأ حمزة والكسائي «خضر واستبرقٍ» بالكسر فيهما وهي قراءة الأعمش وطلحة، ورويت عن الحسن وابن عمر بخلاف عنه على أن «خضر» نعت للسندس، وجائز جمع صفة الجنس إذا كان اسماً مفرداً كما قالوا‏:‏ أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم الأبيض، وفي هذا قبح، والعرب تفرد اسم الجنس وهو جمع أحياناً فيقولون‏:‏ حصى أبيض، وفي القرآن ‏{‏الشجر الأخضر‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 80‏]‏ و‏{‏نخل منقعر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 20‏]‏ فكيف بأن لا يفرد هذا الذي هو صفة لواحد في معنى جمع «واستبرق» في هذه القراءة عطف على ‏{‏سندس‏}‏، وقرأ نافع وحفص عن عاصم والحسن وعيسى «خضرٌ واستبرقٌ» بالرفع فيهما، «خضرٌ» نعت ل ‏{‏ثياب‏}‏ و«استبرق» عطف على الثياب‏.‏ وقرأ أبو عمرو وابن عامر «خضرٌ» بالفع صفة ل ‏{‏ثياب‏}‏، «واستبرق» خفضاً، عطف على ‏{‏سندس‏}‏، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «خضرٍ» خفضاً «وإستبرقٌ» رفعاً فخفش «خضرٍ» على ما تقدم أولاً، «واستبرقٌ» على الثياب‏.‏ والاستبراق غليظ الديباج، وقرأ ابن محيصن‏:‏ «واستبرقَ» موصولة الألف مفتوحة القاف كأنه مثال الماضي من برق واستبرق وتجب واستعجب‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ لا يجوز، والصواب أنه اسم جنس لا ينبغي أن يحمل ضميراً، ويؤيد ذلك دخول اللام المعرفة عليه والصواب فيه الألف وإجراؤه على قراءة الجماعة، وقرأ أبو حيوة «عليهم ثيابٌ» بالرفع «سندسٌ خضرٌ واستبرقٌ» رفعاً في الثلاثة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحلوا‏}‏ أي جعل لهم حلي، و‏{‏أساور‏}‏ جمع أسورة وأسورة جمع سوار وهي من حلي الذراع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏شراباً طهوراً‏}‏ قال أبو قلابة والنخعي معناه لا يصير بولاً بل يكون رشحاً من الأبدان أطيب من المسك، وهنا محذوف يقتضيه القول تقديره يقول الله لهم والملائكة عنه‏:‏ ‏{‏إن هذا كان لكم جزاء‏}‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا نحن نزلنا‏}‏ الآية تثبيت لمحمد عليه السلام وتقوية لنفسه على أفعال قريش وأقوالهم وحكم ربه وهو أن يبلغ ويكافح ويتحمل المشقة ويصبر على الأذى ليعذر الله إليهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏آثماً أو كفوراً‏}‏ هو تخيير في أن يعرف الذي ينبغي أن لا يطيعه بأي وصف كان من هذين لأن كل واحد منهم فهو آثم وهو كفور، ولم تكن الأمة حينئذ من الكثرة بحيث يقع الإثم على العاصي‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ واللفظ أيضاً يقتضي نهي الإمام عن طاعة آثم من العصاة أو كفور من المشركين، وقال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏أو‏}‏ بمعنى الواو وليس في هذا تخيير، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً ‏{‏بكرة وأصيلاً‏}‏ ومن الليل بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أن يريد قول سبحان الله، وذهب قوم من أهل العلم إلى أن هذه الآية إشارة إلى الصلوات الخمس منهم ابن حبيب وغيره، فالبكرة‏:‏ صلاة الصبح، والأصيل‏:‏ الظهر والعصر ‏{‏ومن الليل‏}‏‏:‏ المغرب والعشاء، وقال ابن زيد وغيره كان هذا فرضاً ونسخ فلا فرض إلى الخمس، وقال قوم هو محكوم على وجه الندب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 31‏]‏

‏{‏إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ‏(‏27‏)‏ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ‏(‏28‏)‏ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ‏(‏29‏)‏ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏30‏)‏ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏31‏)‏‏}‏

الإشارة ب ‏{‏هؤلاء‏}‏ إلى كفار قريش، و‏{‏العاجلة‏}‏ الدنيا وحبهم لها، لأنهم لا يعتقدون غيرها، ‏{‏ويذرون وراءهم‏}‏ معناه فيما يأتي من الزمن بعد موتهم، وقال لبيد‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أليس ورائي إن تراخت منيتي *** أدب مع الولدان إن خف كالنسر

ووصف اليوم بالثقل على جهة النسب، أي‏:‏ ذا ثقل من حيث الثقل فيه على الكفار، فهو كليل نائم، ثم عدد النعم على عباده في خلقهم وإيجادهم وإتقان بنيتهم وشدِّ خلقتهم، والأسر‏:‏ الخلقة واتساع الأعضاء والمفاصل، وقد قال أبو هريرة والحسن والربيع الأسر‏:‏ المفاصل والأوصال، وقال بعضهم الأسر‏:‏ القوة‏:‏ ومنه قل الشاعر‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

فأنجاه غداة الموت مني *** شديد الأسر عض على اللجام

وقول آخر ‏[‏الأخطل‏]‏‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

من كل محتدب شديد أسره *** سلس القياد تخاله مختالا

قال الطبري ومنه قول العامة‏:‏ خذه بأسره يريدون خذه كله‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وأصل هذا في ما له شد ورباط كالعظم ونحوه، وليس هذا مما يختص بالعامة بل هو من فصيح كلام العرب‏.‏ اللهم إلا أن يريد بالعامة جمهور العرب ومن اللفظة الإسار وهو القيد الذي يشد به الأسير، ثم توعد تعالى بالتبديل واجتمع من القولين تعديد النعمة والوعيد بالتبدل احتجاجاً على منكري البعث، أي من هذا الإيجاد والتبديل إذا شاء في قدرته، فكيف تتعذر عليه الإعادة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هذه تذكرة‏}‏ يحتمل أن يشير إلى هذه الآية أو إلى السورة بأسرها أو إلى الشريعة بجملتها وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء اتخذ‏}‏ ليس على جهة التخيير بل فيه قرينة التحذير، والحض على اتخاذ السبيل، و«السبيل» هنا‏:‏ ليس النجاة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تشاؤون إلا أن يشاء الله‏}‏ نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يرد هذا وجود ما لهم من الاكتساب والميل إلى الكفر‏.‏

وقرأ عبد الله «وما تشاؤون إلا ما شاء الله» وقرأ يحيى بن وثاب «تِشاؤون» بكسر التاء‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عليماً حكيماً‏}‏ معناه يعلم ما ينبغي أن ييسر عبده إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلا هو ‏{‏والظالمين‏}‏ نصب بإضمار فعل تقديره ويعذب الظالمين أعد لهم، وفي قراءة ابن مسعود «وللظالمين أعد لهم» بتكرير اللام، وقرأ جمهور السبعة «وما تشاؤون» بالتاء على المخاطبة‏.‏ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يشاؤون» بالياء، وقأ ابن الزبير وأبان بن عثمان وبان أبي عبلة «والظالمون» بالرفع، قال أبو الفتح‏:‏ وذلك على ارتجال جملة مستأنفة‏.‏ ‏(‏انتهى‏)‏‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏الإنسان‏}‏ بحمد الله وعونه‏.‏

سورة المرسلات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ‏(‏1‏)‏ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ‏(‏2‏)‏ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ‏(‏3‏)‏ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ‏(‏4‏)‏ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ‏(‏5‏)‏ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ‏(‏6‏)‏ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ‏(‏7‏)‏ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ‏(‏8‏)‏ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ‏(‏9‏)‏ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ‏(‏10‏)‏ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ‏(‏11‏)‏ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ‏(‏12‏)‏ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ‏(‏13‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ‏(‏14‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قال كثير من المفسرين‏:‏ ‏{‏المرسلات‏}‏، الرسل إلى الناس من الأنبياء كأنه قال‏:‏ والجماعات المرسلات، وقال أبو صالح ومقاتل وابن مسعود‏:‏ ‏{‏المرسلات‏}‏ الملائكة المرسلة بالوحي، وبالتعاقب على العباد طرفي النهار، وقال ابن مسعود أيضاً وابن عباس ومجاهد وقتادة‏:‏ ‏{‏المرسلات‏}‏، الرياح، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ ‏{‏المرسلات‏}‏ السحاب و‏{‏عرفاً‏}‏ معناه على القول الأول ‏{‏عرفاً‏}‏ من الله وإفضالاً على عباده ببعثه الرسل‏.‏

ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الحطيئة‏]‏‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

من يفعل الخير لا يعدمْ جوازيَهُ *** لا يذهب العرف بين الله والناس

ويحتمل أني ريد بقوله ‏{‏عرفاً‏}‏ أي متتابعة على التشبيه بتتابع عرف الفرس وأعراف الجبال ونحو ذلك، والعرب تقول‏:‏ الناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه، ويحتمل أن يريد بالعرف أي بالحق، والأمر بالمعروف، وهذه الأقوال في عرف تتجه في قول من قال في ‏{‏المرسلات‏}‏ إنها الملائكة، ومن قال إن ‏{‏المرسلات‏}‏ الرياح اتجه في العرف القول الأول على تخصيص الرياح التي هي نعمة وبها الأرزاق والنجاة في البحر وغير ذلك مما لا فقه فيه، ويكون الصنف الآخر من الرياح في قوله ‏{‏فالعاصفات عصفاً‏}‏ ويحتمل أن يكون بمعنى ‏{‏والمرسلات‏}‏ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقب بذكر الصنف المستنكر الضار وهي ‏{‏العاصفات‏}‏، ويحتمل أن يريد بالعرف مع الرياح التتابع كعرف الفرس ونحوه، وتقول العرب هب عرف من ريح، والقول في العرف مع أن ‏{‏المرسلات‏}‏ هي الرياح يطرد على أن ‏{‏المرسلات‏}‏ السحاب، وقرأ عيسى «عُرفاً» بضم الراء، و‏{‏العاصفات‏}‏ من الريح الشديدة العاصفة للشجر وغيره، واختلف الناس في قولهم ‏{‏والناشرات‏}‏ فقال مقاتل والسدي هي الملائكة تنشر صحف العباد بالأعمال، وقال ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة هي الرياح تنشر رحمة الله ومطره، وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏الناشرات‏}‏ الرمم الناشرات في بعث يوم القيامة يقال نشرت الميت، ومنه قول الأعشى‏:‏ ‏[‏السريع‏]‏

يا عجباً للميت الناشر *** وقال آخرون‏:‏ ‏{‏الناشرات‏}‏ التي يجيء بالأمطار تشبه بالميت ينشر، وقال أبو صالح‏:‏ ‏{‏الناشرات‏}‏ الأمطار التي تحيي الأرض، وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏الناشرات‏}‏ طوائف الملائكة التي تباشر إخراج الموتى من قبورهم للبعث فكأنهم يحيونهم، و‏{‏الفارقات‏}‏ قال ابن عباس وابن مسعود وأبو صالح ومجاهد والضحاك‏:‏ هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقال قتادة والحسن وابن كيسان‏:‏ ‏{‏الفارقات‏}‏، آيات القرآن، وأما ‏{‏الملقيات ذكراً‏}‏ فهي في قول الجمهور الملائكة‏.‏ قال مقاتل جبريل وقال آخرون هي الرسل، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «فالملْقيات» بسكون اللام أي تلقيه من عند الله أو بأمره إلى الرسل‏.‏

وقرأ ابن عباس فيما ذكر المهدوي، «فالملَقَّيات» بفتح اللام والقاف وشدها، أي تلقيه من قبل الله تعالى، وقرأ ابن عباس أيضاً «فالملَقَّيات» بفتح اللام وشد القاف وكسرها، أي تلقيه هي الرسل، و«الذكر» الكتب المنزلة والشرائع ومضمناتها‏.‏

واختلف القراء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عذراً أو نذراً‏}‏، فقأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر وشيبة بسكون الذال في «عذْر» وضمها في «نذُر»، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وإبراهيم التيمي بسكون الذال فيهما، وقرأ طلحة وعيسى والحسن بخلاف، وزيد بن ثابت وأبو جعفر وأبو حيوة والأعمش عن أبي بكر عن عاصم بضمها فيهما فإسكان الذال على أنهما مصدران يقال عذْر وعذير ونذْير كنكر ونكير، وضم الذال يصح معه المصدر، ويصح أن يكون جمعاً لنذير وعاذر للذين هما اسم فاعل، والمعنى أن الذكر يلقي بإعذار وإنذار أو يلقيه معذورون ومنذرون، وأما النصب في قوله ‏{‏عذراً أو نذراً‏}‏ فيصح إذا كانا مصدرين أن يكون لك على البدل من الذكر، ويصح أن يكون على المفعول للذكر كأنه قال ‏{‏فالملقيات‏}‏ أن يذكر ‏{‏عذراً‏}‏ ويصح أن يكون ‏{‏عذراً‏}‏ مفعولاً لأجله أي يلقي الذكر من أجل الإعذار، وأما إذا كان ‏{‏عذراً أو نذراً‏}‏ جمعاً فالنصب على الحال‏.‏ وقرأ إبراهيم التيمي «عذراً أو نذراً» بواو بدل ‏{‏أو‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ما توعدون لواقع‏}‏ هو الذي وقع عليه القسم والإشارة إلى البعث، و«طمس النجوم»‏:‏ إزالة ضوئها واستوائها مع سائر جرم السماء، و«فرج السماء»‏:‏ هو بانفطارها حتى يحدث فيها فروج، و«نسف الجبال»‏:‏ هو بعد التسيير وقيل كونها هباء وهو تفريقها بالريح‏.‏ وقرأ جمهور القراء‏:‏ «أقتت» بالهمزة وشد القاف، وقرأ بتخفيف القاف مع الهمزة عيسى وخالد، وقرأ أبو عمرو وحده «وقتت» بالواو، وأبو الأشهب وعيسى وعمرو بن عبيد، قال عيسى هي لغة سفلى مضر، وقرأ أو جعفر بواو واحدة خفيفة القاف وهي قراءة ابن مسعود والحسن، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «ووقت» بواوين على وزن فوعلت، والمعنى جعل لها وقت منتظر فجاء وحان‏.‏ والواو في هذا كله الأصل والهمزة بدل‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لأي يوم أجلت‏}‏ تعجيب على عظم ذلك اليوم وهوله، ثم فسر تعالى ذلك الذي عجب منه بقوله ‏{‏ليوم الفصل‏}‏ يعني بين الخلق في منازعتهم وحسابهم ومنازلهم من جنة أو نار، وفي هذه الآية انتزع القضاة الآجال في الأحكام ليقع فصل القضاء عند تمامها ثم عظم تعالى يوم الفصل بقوله‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما يوم الفصل‏}‏ على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أدراك ما الحاقة‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 2‏]‏ وغير ذلك، ثم أثبت الويل ‏{‏للمكذبين‏}‏ في ذلك اليوم، والمعنى ‏{‏للمكذبين‏}‏ به في الدنيا وبسائر فصول الشرع، و«الويل»‏:‏ هو الحرب والحزن على نوائب تحدث بالمرء، ويروى عن النعمان بن بشير وعمار بن ياسر أن وادياً في جهنم اسمه «ويل»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 28‏]‏

‏{‏أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ ‏(‏17‏)‏ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ‏(‏18‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏19‏)‏ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ‏(‏20‏)‏ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ‏(‏21‏)‏ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ‏(‏22‏)‏ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ‏(‏23‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏24‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ‏(‏25‏)‏ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ‏(‏26‏)‏ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ‏(‏27‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

قرأ جمهور القراء «ثم نتبعُهم» بضم العين على استئناف الخبر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه «ثم نتبعْهم» بجزم العين عطفاً على ‏{‏نهلك‏}‏ وهي قراءة الأعرج وبحسب هاتين القراءتين يجيء التأويل في ‏{‏الأولين‏}‏، فمن قرأ الأولى جعل ‏{‏الأولين‏}‏ الأمم التي قدمت قريشاً بأجمعها، ثم أخبر أنه يتبع ‏{‏الآخرين‏}‏ من قريش وغيرهم سنن أولئك إذا كفروا وسلكوا سبيلهم‏.‏ ومن قرأ الثانية جعل ‏{‏الأولين‏}‏ قوم نوح وإبراهيم ومن كان معهم، و‏{‏الآخرين‏}‏ قوم فرعون وكل من تأخر وقرب من مدة محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي حرف عبد الله «وسنتبعهم» ثم قال ‏{‏كذلك نفعل بالمجرمين‏}‏ أي في المستقبل فتدخل هنا قريش وغيرها من الكفار، وأما تكرار ‏{‏ويل يؤمئذ للمكذبين‏}‏ في هذه السورة فقيل إن ذلك لمعنى التأكيد فقط، وقيل بل في كل آية منها ما يقتضي التصديق، فجاء الوعد على التكذيب بذلك الذي في الآية، ثم وقف تعالى على أصل الخلقة الذي يقتضي النظر فيها تجويز البعث و«الماء المهين»‏:‏ معناه الضعيف وهو المني من الرجل والمرأة‏.‏ «والقرار المكين»‏:‏ الرحم أو بطن المرأة، و«القدر المعلوم»‏:‏ وقت الولادة ومعلوم عند الله في شخص، فأما عند الآدميين فيختلف فليس بمعلوم قدر شخص بعينه، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ونافع والكسائي «فقدّرنا» بشد الدال، وقرأ الباقون «فقدَرنا» بتخفيف الدال، وهما بمعنى من القدرة، والقدر من التقدير والتوقيف وقوله ‏{‏القادرون‏}‏ يرجع قراءة الجماعة‏.‏ أما أن ابن مسعود روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر القادرين بالمقدرين‏.‏ وقدر ابن أبي عبلة «فقدّرنا» بشد الدال «فنعم المقتدرون» و«الكفات»‏:‏ الستر والوعاء الجامع للشيء بإجماع، تقول كفت الرجل شعره إذا جمعه بخرقة، فالأرض تكفت الأحياء على ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها و‏{‏أحياء‏}‏ على هذا التأويل مُعمول لقوله ‏{‏كفاتاً‏}‏ لأنه مصدر‏.‏ وقال بعض المتأولين ‏{‏أحياء وأمواتاً‏}‏ إنما هو بمعنى أن الأرض فيها أقطار أحياء وأقطار أموات يراد ما ينبت وما لا ينبت، فنصب ‏{‏أحياء‏}‏ على هذا إنما هو على الحال من ‏{‏الأرض‏}‏، والتأويل الأولى أقوى‏.‏

وقال بنان خرجنا مع الشعبي إلى جنازة فنظر إلى الجبانة فقال‏:‏ هذه كفات الموتى، ثم نظر إلى البيوت فقال‏:‏ هذه كفات الأحساء، وكانت العرب تسمي بقيع الغرقد كفتة لأنها مقبرة تضم الموتى، وفي الحديث «خمروا آنيتكم وأوكئوا أسقيتكم واكفتوا صبيانكم وأجيفوا أبوابكم وأطفئوا مصابيحكم»‏.‏ ودفن ابن مسعود قملة في المسجد ثم قرأ ‏{‏ألم نجعل الأرض كفاتاً‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولما كان القبر ‏{‏كفاتاً‏}‏ كالبيت قطع من سرق منه‏.‏ و«الرواسي»‏:‏ الجبال‏:‏ لأنه رست أي ثبتت، و«الشامخ»‏:‏ المرتفع، ومنه شمخ بأنفه أي ارتفع واستعلى شبه المعنى بالشخص، و«أسقى» معناه‏:‏ جعله سقياً للغلات والمنافع، وسقى معناه للشفة خاصة، هذا قول جماعة من أهل اللغة وقال آخرون هما بمعنى واحد، و«الفرات»‏:‏ الصافي العذب، ولا يقال للملح فرات وهي لفظة تجمع ماء المطر ومياه الأنهار وخص النهر المشهور بهذا تشريفاً له وهو نهر الكوفة، وسيحان هو نهر بلخ، وجيحان هو دجلة، والنيل نهر مصر، وحكي عن عكرمة أن كل ماء في الأرض فهو من هذه، وفي هذا بعد والله أعلم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 40‏]‏

‏{‏انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏29‏)‏ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ ‏(‏30‏)‏ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ‏(‏31‏)‏ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ‏(‏32‏)‏ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ ‏(‏33‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏34‏)‏ هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ‏(‏35‏)‏ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ‏(‏36‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏37‏)‏ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ‏(‏38‏)‏ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ‏(‏39‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏40‏)‏‏}‏

الضمير في قوله‏:‏ ‏{‏انطلقوا‏}‏، هو ‏{‏للمكذبين‏}‏ ‏[‏الإنسان‏:‏ 19-24‏]‏ الذين لهم الويل يقال لهم ‏{‏انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون‏}‏ من عذاب الآخرة، ولا خلاف في كسر اللام من قوله ‏{‏انطلقوا‏}‏ في هذا الأمر الأول، وقرأ يعقوب في رواية رويس «انطلَقوا إلى ظل» بفتح اللام على معنى الخبر، وقرأ جمهور الناس «انطِلقوا» بسكر اللام على معنى تكرار، الأمر الأول وبيان المنطلق إليه، وقال عطاء الظل الذي له ‏{‏ثلاث شعب‏}‏ هو دخان جهنم، وروي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يراه الكفار فيظنون أنه مغن فيهرعون إليه ‏{‏ثلاث شعب‏}‏ هو دخان جهنم، وروي أنه يعلو من ثلاثة مواضع يراه الكفار فيظنون أنه مغن فيهرعون إليه فيجدونه على أسوأ وصف‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ المخاطبة إنما تقال يومئذ لعبدة الصليب إذا اتبع كل واحد ما كان يعبد فيكون المؤمنون في ظل الله ولا ظل إلا ظله، ويقال لعبدة الصليب ‏{‏انطلقوا إلى ظل‏}‏ معبودكم وهو الصليب وله ‏{‏ثلاث شعب‏}‏، والتشعب تفرق الجسم الواحد فرقاً ثم نفى عنه تعالى محاسن الظل، والضمير في ‏{‏إنها‏}‏ لجهنم وقرأ عيسى بن عمر «بشرار» بألف جمع شرارة وهي لغة تميم، و«القصر» في قول ابن عباس وجماعة من المفسرين اسم نوع القصور وهو إلا دوراً لكبار مشيدة، وقد شبهت العرب بها النوق ومن المعنى قول الأخطل‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

كأنها برج رومي يشيده *** لز بجص وآجر وجيار

وقال ابن عباس أيضاً‏:‏ «القصر»‏:‏ خشب كان في الجاهلية يقطع من جزل الحطب من النخل وغيره على قدر الذراع وفوقه ودونه يستعد به للشتاء يسمى «القَصَر» واحده قصرة وهو المراد في الآية، وإنما سمي القَصَّار لأنه يخبط بالقصرة، وقال مجاهد‏:‏ «القصر» حزم الحطب‏.‏ وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس القَصَّار لأنه يخبط بالقصرة، وقال مجاهد‏:‏ «القصر» حزم الحطب‏.‏ وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن جبير «القَصَر» جمع قصرة وهي أعناق النخل والإبل وكذلك أيضاً هي في الناس، وقال ابن عباس جذور النخل، وقرأ ابن جبير أيضاً والحسن‏:‏ «كالقِصَر» بسكر القاف وفتح الصاد، وهي جمع قصرة كحلقة وحلق من الحديد، واختلف الناس في «الجمالات»، فقال جمهور من المفسرين‏:‏ هو جمع جمال على تصحيح البناء كرجال ورجالات، وقال آخرون أراد ب «الصفر» السود، وأنشد على ذلك بيت الأعشى‏:‏ ‏[‏الخفيف‏]‏

تلك خيلي منه، وتلك ركابي *** هن صفر أولادها كالزبيب

وقال جمهور الناس‏:‏ بل «الصفر» الفاقعة لأنها أشبه بلون الشرر بالجمالات، وقرأ الحسن «صُفُر» بضم الصاد والفاء، وقال ابن عباس وابن جبير‏:‏ «الجمالات» قلوس من السفن وهي حبالها العظام إذا جمعت مستديرة بعضها إلى بعض جاء منها أجرام عظام، وقال ابن عباس‏:‏ «الجمالات» قطع النحاس الكبار وكان اشتقاق هذه من اسم الجملة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم «جِمالة» بكسر الجيم لحقت التاء جمالاً لتأنيث الجمع فهي كحجر وحجارة، وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والأعمش‏:‏ «جُمالة» بضم الجمي، وقرأ باقي السبعة والجمهور وعمر بن الخطاب «جمالات» على ما تفسر بكسر الجيم، وقرأ ابن عباس أيضاً وقتادة وابن جبير والحسن وأبو رجاء بخلاف عنهم «جُمالات» بضم الجيم، واختلف عن نافع وأبي جعفر وشيبة وكان ضم الجيم فيهما من الجملة لا من الجمل وكسرها من الجمل لا من الجملة‏.‏

ولما ذكر تعالى المكذبين قال مخاطباً لمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏هذا يوم لا ينطقون‏}‏ أي يوم القيامة أسكتتهم الهيبة وذل الكفر، و‏{‏هذا‏}‏ في موطن قاض بأنهم ‏{‏لا ينطقون‏}‏ فيه إذ قد نطق القرآن بنطقهم ربنا أخرجنا، ربنا أمتنا، فهي مواطن‏.‏ و‏{‏يوم‏}‏ مضاف إلى قوله ‏{‏لا ينطقون‏}‏ وقرأ الأعرج والأعمش وأبو حيوة «هذا يومَ» بالنصب لما أضيف إلى غير متمكن بناه فهي فتحة بناء وهو في موضع رفع، ويحتمل أن يكون ظرفاً وتكون الإشارة ب ‏{‏هذا‏}‏ إلى رميها ‏{‏بشرر كالقصر‏}‏، وقوله ‏{‏فيعتذرون‏}‏ معطوف على ‏{‏يؤذن‏}‏ ولم ينصب في جواب النفي لتشابه رؤوس الآي، والوجهان جائزان، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا يوم الفصل جمعناكم‏}‏ مخاطبة للكفار يومئذ‏.‏ و«الأولون» المشار إليهم قوم نوح وغيرهم‏.‏ ممن جاء في صدر الدنيا وعلى وجه الدهر، ثم وقف تعالى عبيده الكفار المستوجبين عقابه بقوله‏:‏ ‏{‏فإن كان لكم كيد فكيدون‏}‏ أي إن كان لكم حيلة أو مكيدة تنجيكم فافعلوها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 50‏]‏

‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ‏(‏41‏)‏ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ‏(‏42‏)‏ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏43‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏44‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏45‏)‏ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ‏(‏46‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏47‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ‏(‏48‏)‏ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ‏(‏49‏)‏ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ‏(‏50‏)‏‏}‏

ذكر تعالى حالة ‏{‏المتقين‏}‏ بعقب ذكر حالة أهل النار ليبين الفرق، و«الظلال» في الجنة عبارة عن تكاثف الأشجار وجودة المباني وإلا فلا شمس تؤذي هنالك حتى يكون ظل يجير من جرها، وقرأ الجمهور «في ظلال» وقرأ الأعرج والأعمش «في ظُلل» بضم الظاء، و«العيون»‏:‏ الماء النافع، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مما يشتهون‏}‏ إعلام بأن المأكل والمشرب هنالك إنما يكون برسم شهواتهم بخلاف ما هي الدنيا عليه، فإن ذلك فيه شاذ ونادر، والعرف أن المرء يرد شهوته إلى ما يقتضيه وجده، وهنا محذوف يدل عليه اللفظ تقديره يقال لهم ‏{‏كلوا‏}‏ و‏{‏هنيئاً‏}‏ نصب على الحال، ويجوز أن يكون نصبه على جهة الدعاء، والكاف في قوله ‏{‏إنا كذلك‏}‏ كاف تشبيه، والإشارة بذلك إلى ما ذكره من تنعيم أهل الجنة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا وتمتعوا‏}‏ مخاطبة لقريش على معنى قل لهم يا محمد، وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، وقد بين ذلك قوله ‏{‏قليلاً‏}‏، ثم قرر لهم الإجرام الموجب لتعذيبهم، وقال من جعل السورة كلها مكية‏:‏ إن هذه الآية نزلت في المنافقين، وقال مقاتل‏:‏ نزلت في ثقيف لأنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ حط عنا الصلاة فإنا لا ننحني فإنها سبة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ «لا خير في دين لا صلاة فيه» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون‏}‏ قيل هي حكاية عن حال المنافقين في الآخرة إذا سجد الناس فأرادوا هم السجود فانصرفت أصلابهم إلى الأرض وصارت فقاراتهم كصياصي البقر، قاله ابن عباس وغيره، وقال قتادة في آخرين هذه حال كفار قريش في الدنيا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم وهم لا يجيبون، وذكر الركوع عبارة عن جميع الصلاة، هذا قول الجمهور، وقال بعض المتأولين عنى بالركوع التواضع كما قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

ترى الأكم فيها سجداً للحوافر *** أي متذللة، وتأول قتادة الآية قاصدة الركوع نفسه‏.‏ وقال‏:‏ عليكم بحسن الركوع، والذي أقول إن ذكر الركوع هنا وتخصيصه من بين سائر أحوال العبادة إنما كان لأن كثيراً من العرب كان يأنف من الركوع والسجود ويراها هيئة منكرة لما كان في أخلاقهم من العجرفة، ألا ترى أن بعضهم قد سئل فقيل له‏:‏ كيف تقول‏؟‏ استخذأت أو استخذيت‏؟‏ فقال‏:‏ كل لا أقول‏.‏ فقيل له لم‏؟‏ قال‏:‏ لأن العرب لا تستخذي، فظن أنه سئل عن المعنى ولم يفهم أنه سئل عن اللفظ‏.‏ وفي كتاب السير عن بعض العرب أنه استعفى متكلماً عن قومه ونفسه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال له‏:‏ «لا بد من الصلاة»، فقال عند ذلك سنؤتيكها، وإن كانت دناءة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبأي حديث بعده يؤمنون‏}‏ يؤيد أن الآية كلها في قريش، والحديث الذي يقتضيه الضمير هو القرآن، وهذا توقيف وتوبيخ، وروي عن يعقوب أنه قرأ «تؤمنون» بالتاء من فوق على المواجهة ورويت عن ابن عامر ‏(‏انتهى‏)‏‏.‏

سورة النبأ

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏1‏)‏ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ‏(‏2‏)‏ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ‏(‏3‏)‏ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ‏(‏4‏)‏ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ‏(‏6‏)‏ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ‏(‏7‏)‏ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ‏(‏8‏)‏ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ‏(‏9‏)‏ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ‏(‏10‏)‏ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ‏(‏11‏)‏ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ‏(‏12‏)‏ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ‏(‏13‏)‏ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ‏(‏14‏)‏ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ‏(‏15‏)‏ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

أصل ‏{‏عم‏}‏ «عن ما»، ثم أدغمت النون بعد قلبها فبقي «عما» في الخبر والاستفهام، ثم حذفوا الألف في الاستفهام فرقاً بينه وبين الخبر، ثم من العرب من يخفف الميم تخفيفاً فيقول‏:‏ «عم»، وهذا الاستفهام ب ‏{‏عم‏}‏ هو استفهام توقيف وتعجب منهم، وقرأ أبيّ بن كعب وابن مسعود وعكرمة وعيسى‏:‏ «عما» بالألف، وقرأ الضحاك‏:‏ «عمه» بهاء، وهذا إنما يكون عند الوقف‏.‏ و‏{‏النبإ العظيم‏}‏ قال ابن عباس وقتادة هو الشرع الذي جاء به محمد، وقاله مجاهد وقتادة‏:‏ هو القرآن خاصة، وقال قتادة أيضاً‏:‏ هو البعث من القبور، ويحتمل الضمير في ‏{‏يتساءلون‏}‏ أن يريد جميع العالم فيكون الاختلاف حينئذ يراد به تصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين ونزغات الملحدين، ويحتمل أن يراد بالضمير الكفار من قريش، فيكون الاختلاف شك بعض وتكذيب بعض‏.‏ وقولهم سحر وكهانة وشعر وجنون وغير ذلك، وقال أكثر النحاة قوله‏:‏ ‏{‏عن النبإ العظيم‏}‏، متعلق ب ‏{‏يتساءلون‏}‏ الظاهر كأنه قال‏:‏ لم يتساءلون عن هذا النبأ، وقال الزجاج‏:‏ الكلام تام في قوله‏:‏ ‏{‏عم يتساءلون‏}‏ ثم كان مقتضى القول أن يجيب مجيب فيقول‏:‏ يتساءلون ‏{‏عن النبإ العظيم‏}‏، فاقتضى إيجاز القرآن وبلاغته أن يبادر المحتج بالجواب الذي تقتضيه الحال والمجاورة اقتضاباً للحجة وإسراعاً إلى موضع قطعهم، وهذا نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 19‏]‏ وأمثلة كثيرة، وقد وقع التنبيه عليها في مواضعها، وقرأ السبعة والحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش‏:‏ «كلا سيعلمون» بالياء في الموضعين على ذكر الغائب، فظاهر الكلام أنه رد على الكفار في تكذيبهم وعيد لهم في المستقبل وكرر الزجر تأكيداً، وقال الضحاك المعنى‏:‏ ‏{‏كلا سيلعمون‏}‏ يعني الكفار على جهة الوعيد، ‏{‏ثم كلا سيعلمون‏}‏‏:‏ يعني المؤمنين على جهة الوعد، وقرأ ابن عامر فيما روى عنه مالك بن دينار والحسن بخلاف‏:‏ «كلا ستعلمون» بالتاء في الموضعين على مخاطبة الحاضر كأنه تعالى يقول‏:‏ قل لهم يا محمد وكرر عليهم الزجر والوعيد تأكيداً وكل تأويل في هذه القراءة غير هذا فمتعسف وقرأ‏.‏‏.‏‏.‏ «كلا سيعلمون» بالياء على جهة الرد والوعيد للكفار، «ثم كلا ستعملون» بالتاء من فوق على جهة الرد على الكفار والوعد والمؤمنين‏.‏ والعلم في هذه الآية بمعنى ستعرفون، فلذلك لم يتعد، ثم وقفهم تعالى على آياته وغرائب مخلوقاته وقدرته التي يوجب النظر فيها الإقرار بالبعث والإيمان بالله تعالى‏.‏ و«المهاد»‏:‏ الفراش الممهد الوطيء وكذلك الأرض لبنيتها، وقرأ مجاهد وعيسى وبعض الكوفيين «مهداً»، والمعنى نحو الأول، وشبه ‏{‏الجبال‏}‏ ب «الأوتاد» لأنها تمسك وتثقل وتمنع الأرض أن تميد، و‏{‏أزواجاً‏}‏ معناه أنواعاً في ألوانكم وصوركم وألسنتكم، وقال الزجاج وغيره معناه مزدوجين ذكراً وأنثى، و«السبات»‏:‏ السكون، وسبت الرجل معناه استراح واتدع وترك الشغل، ومنه السبات وهي علة معروفة سميت بذلك لأن السكون والسكوت أفرط على الإنسان حتى صار ضاراً قاتلاً، والنوم شبيه به إلا في الضرر، وقال أبو عبيدة‏:‏ ‏{‏سباتاً‏}‏ قطعاً للأعمال والتصرف، والسبت‏:‏ القطع ومنه سبت الرجل رأسه إذا قطع شعره، ومنه النعال السبتية وهي التي قطع عنها الشعر، و‏{‏لباساً‏}‏ مصدر، وكان الميل كذلك من حيث يغشي الأشخاص، فهي تلبسه وتتدرعه، وقال بعض المتأولين‏:‏ جعله ‏{‏لباساً‏}‏ لأنه يطمس نور الأبصار ويلبس عليها الأشياء والتصريف يضعف هذا القول، لأنه كان يجب أن يكون ملبساً، ولا يقال ‏{‏لباساً‏}‏ إلا من لبس الثياب ‏{‏والنهار معاشاً‏}‏ على حذف مضاف أو على النسب، وهذا كمان تقول ليل نائم، و«السبع الشداد»‏:‏ السموات، والأفصح في لفظة السماء التأنيث ووصفها بالشدة، لأنه لا يسرع إليها فساد لوثاقتها، و«السراج»‏:‏ الشمس، و«الوهاج»‏:‏ الحار المضطرم الاتقاد المتعالي اللهب، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص‏:‏ إن الشمس في السماء الرابعة إلينا طهرها ولهبها مضطرم علواً، واختلف الناس في ‏{‏المعصرات‏}‏، فقال الحسن بن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة‏:‏ هي السموات، وقال ابن عباس وأبو العالية والربيع والضحاك‏:‏ ‏{‏المعصرات‏}‏ السحاب القاطرة، وهو مأخوذ من العصر، لأن السحاب ينعصر فيخرج منه الماء وهذا قول الجمهور وبه فسر عبيد الله بن الحسن بن محمد العنبري القاضي بيت حسان‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

كلتاهما حلب العصير *** وقال بعض من سميت هي السحاب التي فيها الماء تمطر كالمرأة المعصر وهي التي دنا حيضها ولم تحض بعد، وقال ابن الكيسان‏:‏ قيل‏:‏ للسحاب معصرات من حيث تغيث فهي من المعصرة ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفيه يعصرون‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 49‏]‏ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة‏:‏ ‏{‏المعصرات‏}‏ الرياح، لأنها تعصر السحاب، وقرأ ابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وقتادة وعكرمة‏:‏ «وأنزلنا بالمعصرات» فهذا يقول أنه أراد الرياح، و«الثجاج»‏:‏ السريع الاندفاع كما يندفع الدم عن عروق الذبيحة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل له‏:‏ ما أفضل الحج‏؟‏ قال‏:‏ «العج والثج» أراد التضرع إلى الله بالدعاء الجهير وذبح الهدي، و«الحب»‏:‏ جنس الحبوب الذي ينتفع به الحيوان، و«النبات»‏:‏ العشب الذي يستعمل رطباً لإنسان أو بهيمة، فذكر الله تعالى موضع المنفعتين و‏{‏ألفافاً‏}‏ جمع لُف بضم اللام، ولف جمع لفاء‏.‏ والمعنى ملتفات الأغصان والأوراق، وذلك موجود مع النضرة والري، وقال جمهور اللغويين ‏{‏ألفافاً‏}‏ جمع لِفّ بكسر اللام، واللف‏:‏ الجنة الملتفة بالأغصان، وقال الكسائي‏:‏ ‏{‏ألفافاً‏}‏، جمع لفيف‏.‏ وقد قال الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أحابيش ألفاف تباين فرعهم *** وجذمهم عن نسبة المتقرب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 23‏]‏

‏{‏إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ‏(‏17‏)‏ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ‏(‏18‏)‏ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ‏(‏19‏)‏ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ‏(‏20‏)‏ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ‏(‏21‏)‏ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ‏(‏22‏)‏ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏يوم الفصل‏}‏ هو يوم القيامة، لأن الله تعالى يفصل فيه بين المؤمنين والكافرين، وبين الحق والباطل، و«الميقات» مفعال من الوقت، كميعاد من الوعد، وقوله‏:‏ ‏{‏يوم ينفخ‏}‏ بدل من اليوم الأول، و‏{‏الصور‏}‏‏:‏ القرن الذي ينفخ فيه لبعث الناس‏.‏ هذا قول الجمهور، ويحتمل هذا الموضع أن يكون ‏{‏الصور‏}‏ فيه جمع صورة أي يوم يرد الله فيه الأرواح إلى الأبدان، هذا قول بعضهم في ‏{‏الصور‏}‏ وجوزه أبو حاتم، والأول أشهر وبه تظاهرت الاثار، وهو ظاهر كتاب الله تعالى في قوله ‏{‏ثم نفخ فيه أخرى‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 68‏]‏ وقرأ أبو عياض «في الصوَر» بفتح الواو، و«الأفواج» الجماعات يتلو بعضها بعضاً، واحدها فوج، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة والحسن‏:‏ «وفتّحت»، بشد التاء على المبالغة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي‏:‏ «وفتَحت» دون شد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكانت أبواباً‏}‏ قيل معناه‏:‏ تتفطر وتتشقق حتى يكون فيها فتوح كالأبواب في الجدارات، وقال آخرون فيما حكى مكي بن أبي طالب‏:‏ الأبواب هنا فلق الخشب التي تجعل أبواباً لفتوح الجدارات أي تتقطع السماء قطعاً صغاراً حتى تكون كألواح الأبواب‏.‏ والقول الأول أحسن، وقال بعض أهل العلم‏:‏ تتفتح في السماء أبواب الملائكة من حيث يصعدون وينزلون‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكانت سراباً‏}‏ عبارة عن تلاشيها وفنائها بعد كونها هباء منثباً، ولم يرد أن الجبال تعود تشبه الماء على بعد من الناظر إليها، و‏{‏مرصاداً‏}‏‏:‏ موضع الرصد، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 14‏]‏، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال‏:‏ «لا يدخل أحد الجنة حتى يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك»‏.‏ وقال قتادة‏:‏ تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وفي الحديث الصحيح‏:‏ «إن الصراط جسر ينصب على متن جهنم ثم يجوز عليه الناس فناج ومكردس»، وقال بعض المتأولين‏:‏ ‏{‏مرصاداً‏}‏ مفعال بمعنى راصد، وقرأ أبو معمر المنقري‏:‏ «أن جهنم» بفتح الألف والجمهور‏:‏ على كسرها، و«الطاغون»‏:‏ الكافرون، و«المآب» المرجع، و«الأحقاب»‏:‏ جمع حقب بفتح القاف، وحِقب‏:‏ بكسر الحاء، وحقُب‏:‏ بضم القاف، وهو جمع حقبة ومنه قول متمم‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وكنا كندماني جذيمة حقبة *** من الدهر حتى قيل لن تصدعا

وهي المدة الطويلة من الدهر غير محدودة، ويقال للسنة أيضاً حقبة، وقال بشر بن كعب‏:‏ حدها على ما ورد في الكتب المنزلة ثلاثمائة سنة، وقال هلال الهجري‏:‏ ثمانون سنة قالا في كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، كل يوم من ألف سنة، وقال ابن عباس وابن عمر‏:‏ الحقب ستون ألف سنة، وقال الحسن‏:‏ ثلاثون ألف سنة وكثر الناس في هذا اللازم أن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يلبثون ‏{‏أحقاباً‏}‏ كلما مر حقب جاء غيره إلى ما لا نهاية، قال الحسن‏:‏ ليس لها عدة إلا الخلود في النار، ومن الناس من ظن لذكر الأحقاب أن مدة العذاب تنحصر وتتم فطلبوا التأويل لذلك، فقال مقاتل بن حيان‏:‏ الحقب سبعة عشر ألف سنة، وهي منسوخة بقوله تعالى‏:‏

‏{‏فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 30‏]‏، وقد ذكرنا فساد هذا القول، وقال آخرون الموصوفون باللبث ‏{‏أحقاباً‏}‏ عصاة المؤمنين، وهذا أيضاً ضعيف ما بعده في السورة يدل عليه، وقال آخرون‏:‏ إنما المعنى‏:‏ ‏{‏لابثين فيها أحقاباً‏}‏ غير ذائقين برداً ولا شراباً، فهذه الحال يلبثون أحقاباً ثم يبقى العذاب سرمداً وهم يشربون أشربة جهنم، وقرأ الجمهور «لابثين» وقرأ حمزة وحده وابن مسعود وعلقمة وابن وثاب وعمرو بن ميمون وعمرو بن شرحبيل وابن جبير «لبثن» جمع لبث، وهي قراءة معترضة لأن فعلاً إنما يكون فيما صار خلقاً كحذر وفرق، وقد جاء شاذاً فيما ليس بخلق وأنشد الطبري وغيره في ذلك بيت لبيد‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

أو مسحل عمل عضادة سمحج *** بسراته ندب له وكلوم

قال المعترض في القراءة‏:‏ لا حجة في هذا البيت لأن عملاً قد صار كالخلق الذي واظب على العمل به حتى أنه ليسمى به في وقت لا يعمل فيه كما تقول كاتب لمن كانت له صناعة وإن لم يكتب أكثر أحيانه، قال المحتج لها‏:‏ شبه لبث بدوامه بالخلق لما صار اللبث من شأنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 37‏]‏

‏{‏لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ‏(‏24‏)‏ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ‏(‏25‏)‏ جَزَاءً وِفَاقًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ‏(‏27‏)‏ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ‏(‏28‏)‏ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ‏(‏29‏)‏ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ‏(‏30‏)‏ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ‏(‏31‏)‏ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ‏(‏32‏)‏ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ‏(‏33‏)‏ وَكَأْسًا دِهَاقًا ‏(‏34‏)‏ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ‏(‏35‏)‏ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ‏(‏36‏)‏ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ‏(‏37‏)‏‏}‏

قال أبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد ومعاذ النحوي‏:‏ «البرد» في هذه الآية‏:‏ النوم، والعرب تسمه بذلك لأنه يبرد سؤر العطش، ومن كلامهم منع البرد البرد، وقال جمهور الناس‏:‏ «البرد» في الآية‏:‏ مسر الهواء البارد وهو القر، أي لا يمسهم منه ما يستلذ ويكسر غرب الحر، فالذوق على هذين القولين مستعار، وقال ابن عباس‏:‏ «البرد»‏:‏ الشراب المستلذ، ومنه قول حسان بن ثابت‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

يسقون من ورد البريص عليهمُ *** بردى يصفق بالرحيق السلسل

ومنه قول الآخر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

أماني من سعدى حسان كأنما *** سقتني بها سعدى على ظمأ بردا

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا شراباً إلا حميماً‏}‏ فالاستثناء متصل و«الحميم»‏:‏ الحار الذائب وأكثر استعماله في الماء السخن والعرق ومنه الحمام، وقال ابن زيد‏:‏ «الحميم»‏:‏ دموع أعينهم، وقال النقاش‏:‏ ويقال «الحميم» الصفر المذاب المتناهي الحر، واختلف الناس في «الغساق»، فقال قتادة والنخعي وجماعة‏:‏ هو ما يسيل من أجسام أهل النار من صديد ونحوه، يقال‏:‏ غسق الجرح‏:‏ إذا سال منه قيح ودم، وغسقت العين‏:‏ إذا دمعت وإذا خرج قذاها، وقال ابن عباس ومجاهد‏:‏ «الغساق»‏:‏ مشروب لهم مفرط الزمهرير، كأنه في الطرف الثاني من الحميم يشوي الوجوه ببرده، وقال عبد الله بن بريدة‏:‏ «الغساق»‏:‏ المنتن، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم وجماعة من الجمهور‏:‏ «غسَاقاً»، بتخفيف السين وهو اسم على ما قدمناه، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن أبي إسحاق السبيعي والحكم بن عتبة وقتادة وابن وثاب‏:‏ «غسّاقاً» مشددة السين وهي صفة أقيمت مقام الموصوف، كأنه قال ومشروب غساق أي سائل من أبدانهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وفاقاً‏}‏ معناه لأعمالهم وكفرهم أي هو جزاؤهم الجدير بهم الموافق مع التحذير لأعمالهم فهي كفر، و«الجزاء»‏:‏ نار، و‏{‏يرجون‏}‏ قال أبو عبيدة وغيره‏:‏ معناه‏:‏ يخافون، وقال غيره‏:‏ الرجاء هنا على بابه، ولا رجاء إلا وهو مقترن بخوف ولا خوف إلا وهو مقترن برجاء، فذكر أحد القسمين لأن المقصد العبارة عن تكذيبهم كأنه قال‏:‏ إنهم كانوا لا يصدقون بالحساب، فلذلك لا يرجونه ولا يخافونه، وقرأ جمهور الناس‏:‏ «كِذّاباً» بشد الذال وكسر الكاف وهو مصدر بلغة بعض العرب، وهي يمانية ومنه قول أحدهم وهو يستفتي‏:‏

ألحلق أحب إليك أم القصار‏؟‏ *** ومنه قول الشاعر‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

لقد طال ما ثبطتني عن صحابتي *** وعن حاجة قضاؤها من شفائيا

وهذا عندهم مصدر من فعّل، وقال الطبري‏:‏ لم يختلف القراء في هذا الموضع في ‏{‏كذاباً‏}‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وأراه أراد السبعة، وأما في الشاذ، فقرأ علي بن أبي طالب وعوف الأعرابي وعيسى والأعمش وأبو رجاء‏:‏ «كِذَاباً» بكسر الكاف وبتخفيف الذال، وقرأ عبد الله بن عمر بن عبد العزيز‏:‏ «كُذّاباً» بضم الكاف وشد الذال على أنه جمع كاذب ونصبه على الحال قاله أبو حاتم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكل شيء أحصيناه‏}‏، يريد كل شيء شأنه أن يحضر في هذا الخبر وربط لآخر القصة بأولها أي هم مكذبون وكافرون، ونحن قد أحصينا، فالقول لهم في الآخرة ‏{‏ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً‏}‏ رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكر تعالى أمر أهل النار عقب بذكر أهل الجنة ليبين الفرق‏.‏ و«المفاز»‏:‏ موضع الفوز لأنهم زحزحوا على النار وأدخلوا الجنة‏.‏ و«الحدائق»‏:‏ البساتين التي عليها حلق وجدارات وحظائر‏.‏ و‏{‏أتراباً‏}‏ معناه‏:‏ على سن واحدة، والتربان هما اللذان مسا التراب في وقت واحد، و«الدهاق»‏:‏ المترعة فيما قال الجمهور، وقال ابن جبير معناه‏:‏ المتتابعة وهي من الدهق، وقال عكرمة‏:‏ هي الصفية، وفي البخاري قال ابن عباس‏:‏ سمعت أبي في الجاهلية يقول للساقي‏:‏ اسقنا كأساً دهاقاً، و«اللغو»‏:‏ سقط الكلام وهو ضروب، وقد تقدم القول في ‏{‏كذاباً‏}‏ إلا أن الكسائي من السبعة قرأ في هذا الموضع «كذَاباً» بالتخفيف وهو مصدر، ومنه قول الأعشى‏:‏ ‏[‏مجزوء الكامل‏]‏

فصدقتها وكذبتها *** والمرء ينفعه كذابه

واختلف المتألون‏:‏ في قوله‏:‏ ‏{‏حساباً‏}‏، فقال جمهور المفسرين واللغويين معناه‏:‏ محسباً، كافياً في قولهم أحسبني هذا الأمر أي كفاني، ومنه حسبي الله، وقال مجاهد معناه‏:‏ إن ‏{‏حساباً‏}‏ معناه بتقسط على الأعمال لأن نفس دخول الجنة برحمة الله وتفضله لا بعمل، والدرجات فيها والنعيم على قدر الأعمال، فإذا ضاعف الله لقوم حسناتهم بسبعمائة مثلاً ومنهم المكثر من الأعمال والمقل أخذ كل واحد سبعمائة بحسب عمله وكذلك في كل تضعيف، فالحساب ها هو موازنة أعمال القوم‏.‏ وقرأ الجمهور «حِسَاباً»‏:‏ بكسر الحاء وتخفيف السين المفتوحة، وقرأ ابن قطب «حَسّاباً»‏:‏ بفتح الحاء وشد الشين‏.‏ قال أبو الفتح جاء بالاسم من أفعل على فعال، كما قالوا أدرك فهو‏:‏ دراك، فقرأ ابن عباس وسراج‏:‏ «عطاء حسناً» بالنون من الحسن وحكى عنه المهدوي أنه قرأ «حَسْباً» بفتح الحاء وسكون السين والباء، وقرأ شريح بن يزيد الحمصي‏:‏ «حِسَّاباً» بكسر الحاء وشد السين المفتوحة، وقرأ نافع وأبو عمرو والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل الحرمين‏:‏ «ربُّ» بالرفع، وكذلك «الرحمنُ»، وقرأ ابن عامر وعاصم وابن مسعود وابن أبي إسحاق وابن محيصن والأعمش «رب» وكذلك «الرحمن» وقرأ حمزة والكسائي «ربِّ»‏:‏ بالخفض و«الرحمنُ» بالرفع وهي قراءة الحسين وابن وثاب وابن محيصن بخلاف عنه ووجوه هذه القراءات بينة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يملكون‏}‏ الضمير للكفار أي ‏{‏لا يملكون‏}‏ من أفضاله وأجماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها، وهذا في مواطن خاص‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 40‏]‏

‏{‏يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ‏(‏38‏)‏ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا ‏(‏39‏)‏ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ‏(‏40‏)‏‏}‏

اختلف الناس في ‏{‏الروح‏}‏ المذكورة في هذا الموضع، فقال الشعبي والضحاك‏:‏ هو جبريل عليه السلام ذكره خاصة من بين الملائكة تشريفاً، وقال ابن مسعود‏:‏ هو ملك كريم أكبر الملائكة خلقة يسمى ب ‏{‏الروح‏}‏، وقال ابن زيد‏:‏ كان أبي يقول هو القرآن، وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أوحينا إليك روحاً من أمرنا‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 52‏]‏ أي من أمرنا‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فالقيام فيه مستعار يراد ظهوره مثول آثاره، والأشياء الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه ومع هذا ففي القول قلق، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏الروح‏}‏ خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون وقال ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الروح خلق غير الملائكة لهم حفظة للملائكة كما الملائكة حفظة لنا»، وقال ابن عباس والحسن وقتادة‏:‏ ‏{‏الروح‏}‏ هنا اسم جنس‏:‏ يراد به أرواح بني آدم والمعنى يوم تقوم الروح في أجسادها إثر البعث والنشأة الآخرة، ويكون الجميع من الإنس والملائكة ‏{‏صفاً‏}‏ ولا يتكلم أحد هيبة وفزعاً ‏{‏إلا من أذن له الرحمن‏}‏ من ملك أو نبي وكان أهلاً أن يقول ‏{‏صواباً‏}‏ في ذلك الموطن، وقال ابن عباس‏:‏ الضمير في ‏{‏يتكلمون‏}‏ عائد على الناس خاصة و«الصواب» المشار إليه لا إله إلا الله، قال عكرمة أي قالها في الدنيا‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك اليوم الحق‏}‏ أي الحق كونه ووجوده، وفي قوله‏:‏ ‏{‏فمن شاء اتخذ إلى ربه‏}‏ مكاناً وعد ووعيد وتحريض، و«المآب» المرجع وموضع الأوبة، والضمير الذي هو الكاف والميم في ‏{‏أنذركم‏}‏ هو لجميع العالم وإن كانت المخاطبة لمن حضر النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار، و«العذاب القريب»‏:‏ عذاب الآخرة، ووصفه بالقرب لتحقق وقوعه وأنه آت وكل آت قريب الجمع داخل في النذارة منه، ونظر المرء إلى ‏{‏ما قدمت يداه‏}‏ من عمل قيام الحجة عليه، وقال ابن عباس ‏{‏المرء‏}‏ هنا المؤمن، وقرأ ابن ابي إسحق‏:‏ «المُرء» بضم الميم وضعفها أبو حاتم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً‏}‏ قيل إن هذا تمنٍّ أن يكون شيئاً حقيراً لا يحاسب ولا يلتفت إليه، وهذا قد نجده في الخائفين من المؤمنين فقد قال عمر بن الخطاب‏:‏ ليتني كنت بعرة، وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر‏:‏ إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص لبعضها من بعض ثم يقول لها من بعد ذلك‏:‏ كوني تراباً، فيعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله، قال أبو القاسم بن حبيب‏:‏ رأيت في بعض التفاسير أن ‏{‏الكافر‏}‏ هنا إبليس إذا رأى ما حصل للمؤمنين من بني آدم من الثواب قال‏:‏ ‏{‏يا ليتني كنت تراباً‏}‏، أي كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أولاً‏.‏

نجز تفسير سورة ‏{‏النبأ‏}‏ والحمد لله حق حمده‏.‏